-
محمد العمراني
الكتاب في الحقيقة ليس من تأليف غادة السمان، هي فقط قدمت له، لكن الرسائل كتبها غسان كنفاني لها، فنشرتها بعد موته بعشرين سنة، عن دار الطليعة، بيروت. بإجمالي صفحات كثيرة، خاصة في طبعته الخامسة سنة 2005، حيث عدد صفحاتها 178.
غادة السمان أديبة سورية ولدت بدمشق سنة 1942، وهي قريبة نزار قباني الشاعر، من أسرة ميسورة متفتحة، خرّيجة الجامعة السورية في تخصص الإنجليزية، عملت في الصحافة في بيروت، أصدرت أعمالا قصصية مبكرة (عيناك قدري 1962، لا بحر في بيروت 1965)، تنقّلت في عواصم أوربية كثيرة، اتّسمت قصصها ورواياتها بالجرأة الأدبية، فاشتهرت بكونها أهمّ روائية عربية وشاعرة متحررة في القرن العشرين.
في هذا التقديم سأتناول العنوان والصورة المرافقة للكتاب وكذا تقديم غادة السمان للرسائل التي نشرتها في صيغتين: اِثنا عشر رسالة مطبوعة مرفقة بمسوداتها كما هو الحال لثلاثة بطائق بريدية أرسلها لها غسان المناضل المستشهد من أجل فلسطين وختاما بآراء النقاد في ملحق خاص. كما سأتناول لغة غسان وشخصه الهش وأفكاره وأسلوب رسائله.
في عنوان الكتاب
رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، عنوان يحيل على أدب من نوع خاص، إنه التراسل أو الترسل، أو الرسائل الأدبية، وعلى الرغم من أنها لم تتناول قضايا الأدب إلا أنها كانت بين أديبين بارزين في المرحلة الستينية، لقد كشفت لنا الرسائل جانبا هاما من حياة غسان واعترافاته، إضافة إلى أنها وثّقت لحظات مجهولة عند القارئ، إلا أن هذا الأدب ما زال مسودات لم تطبع في كثير من الأحيان عند العرب بخلاف الآداب الغربية المتحررة، تلك التي تنشر مسودات الرسائل في المتاحف أو مراكز التوثيق وأرشيف الثقافة، إن الرسائل الأدبية ليست حكرا على أحد، بل هي إرث أدبي للقارئ العربي على ورثة الأدباء أن ينشروها وربما لا يسري عليها منطق الإرث بمعناه الديني.
في صورة الغلاف
استوقفتني في الصورة الفوتوغرافية على ظهر الغلاف أشياء استثنائية جذابة ما سماه رولان بارث البونكتوم (1)، يظهر غسان واقفا وشخص خلفه، ربما صديقه يقفان مباشرة لحظة نزول غادة السمان من التلفريك ( وسيلة نقل)، يظهر الوجهان مبتسمين في بعضهما وجها لوجه، الصورة معتمة قليلا من دون شمس، كأنها التقطت بعد الغروب؛ لأن ظل الشخوص موجود.
إلى ذلك فمستوى الوصف أو “الستوديوم” بتعبير بارث نفسه يظهر سبقا صحفيا لمصور مجهول التقط صورة من زاوية قريبة، لكن على مستوى العمق والوخز نجد أنها يمكن أن تكون الصورة التي تحدث عنها غسان في رسالته الثانية، يقول: “عزيزتي غادة… مرهق إلى أقصى حد: ولكنك أمامي، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بأشياء كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني …” (2)،
إنها صورة شتوية حيث يحمل غسان بيديه معطفه بينما تبدو غادة امراة ناعمة جميلة غضة غيداء، فكيف لا يهيم بها غسان وهو الشاب الذي يحب من قلبه، ليس مصادفة أن يهيم الاسم بالاسم وكأن القدر كتب حبهما الطاهر كما أحب ابن عربي “نظام” بنت أبي شجاع في ترجمان الأشواق، وأحب عنترة عبلة وقيس ليلى وغيرهم كثير. وجه غادة إذن فرض سلطته على غسان فكان الوجه المستحيل النسيان أو على حد تعبير ليفناس”” يفرض الوجه ذاته فلا أستطيع أن أنساه” (3) . ذلك الوجه الذي كان مثل أثر فراشة لا يزول بالنسبة لغسان، وجه عاصف منقوش بإزميل بيغماليون في الصورة.
قراءة في الكتاب
-
قراءة في تقديم غادة السمان للرسائل
يبدو من تقديم غادة لرسائل غسان أنه بطل قومي حقيقي، كان مريضا بالسكري والنقرس، مؤمنا بقضية فلسطين قدر إيمانه بحب غادة، كما أبرزت أن هذه الرسائل ذات قيمة عالية كونها لم تعد شخصية بل قضية أدب حقيقية، إذ إنها تكشف جانبا إنسانيا عاطفيا في غسان الذي استشهد بطلا سياسيا ومناضلا وكاتبا مكثرا على قصر عمره، عميقا في رواياته وقصصه ومقالاته الشعرية والنقدية والصحفية. أكثر من ذلك تشير إلى أن نشر هذه الرسائل مهمّة عليها أن تنجزها فهي وعدٌ لكشف أن المثقف ليس له قلب صدئ.
-
لغة الرسائل
في هذه الرسائل نكتشف لغة جميلة مليئة بالحب والعواطف الجياشة التي يحملها غسان تجاه هذه الغادة المتمنعة الشرقية، لغة شاعرية قصوى مضمخة بالأسطورة وعذاب الهيام الجارف و الغرام القاتل، تارة يشبه نفسه بسيزيف فينهل من حقل شاسع من المقروء الإنجليزي والفرنسي، أحيانا ينهلان من لغة الخاطرة والحب الرومانسي الطبيعي الجبراني ومدارس الرابطة القلمية وأبولو والديوان، كما يأخذان حينا من قاموس الحرب الدائرة رحاه بيت فلسطين وإسرائيل، قاموس ينبع من كونه ثائرا مناضلا كما في الرسالة ص 51 حين يشبه غسان نفسه بالفارس في وجه الريح أو الجريح في الميدان.
-
شخص غسان في الرسائل
إننا بصدد رسائل تميط النقاب عن شخص غسان كنفاني الهش المحطم الذي يعترف بحبه مرارا ويستجدي محبوبته أن تبادله الكتابة فقط، فهو يدري صعوبة موقفه، خاصة، أنه متزوج وأب لطفلين، إنه يدري وضعه الذي لا يحسد عليه، لكنه على كل حال لم يصل ما وصله بطل قصة حب مجوسية لمنيف، فغادة شابة يقع في حبها جل الكتاب والأدباء، إن غسان يبدو في الرسائل محطّما مهزوما يتشبت بخيط أريادنا مثل تيسيوس، لكنه يدري أنه سيفقدها يوما كما سيفقد نفسه مثل أورفيوس الفاقد حبيبته يوريديس..
نكتشف غسان المعذب في الحب، اليائس من وصال غادة، لكنه لا يريد وصالها، هو محب من درجة صوفية وأسطورية يرسل ألحانه الهرموسية إليها في شكل خطابات ورسائل تشبه أغاني محارب مجهول. متغزل عاشق ولهان هو غسان المسكين، مترجم لأشواقه في رسائله، يعرف أن الحب يأتي هكذا كما زُرعَ في قلوب البشر، فاستعصى عليهم أن يقاوموه، إنه نزعة في النفس لا يدري سرها أحد، شعور يأتي فجأة مثل إعصار مدمر، ومن الحب ما قتل.
نشهد غسان الثلاثيني المعذب مثل ذلك الشاب الذي تحدث عنه الأصمعي، لعل الموت كان خلاص غسان من هذا الحب الذي يجرفه، مثل أي عاشق متيم، مثل كثير عزة وجميل بثينة، إن غسان من قوم إذا عشقوا ماتوا، لقد كتب رسائله بحبر من دمه إلى محبوبته البخيلة كما يصفها في الرسالة الثانية، نعم غادة كانت تداريه في حماقاته فتعامله مثل طفل تافه، لذا كانت العلاقة من طرف واحد بنظره حيث يسخر منه الأصدقاء من الكُتّاب في الجريدة التي يشتغل بها، لقد كاشفها بكل شيء، عن مغامراته، خاصة، مع امرأة ألمانية، كما حدثها في رسائله عن علاقاته، كتاباته، أبطاله، حكاياته..
فيما غادة ظلت الفتاة الشقية العصية الحلوة، المعذِّبة، المقلّة، البخيلة في الكتابة، فيظل هو يكتب ويكتب كما يتنفس، ينتظر الأجوبة مثل جرعات من عقار الأتاركسيا والأبونيا الأبيقورية، لتحل عليه سلاما وسعادة، فلا تسعه الأرض، ربما كان جوابها المنتظر على أحر من الجمر حقنة من مخدر، نعم للمبدع المناضل غسان حياة عاطفية هشة، لكنها مليئة بالإنسانية، إنه جرح المثقف العضوي وحافزه للكتابة، لابد من دفقة حب، إنه الكاتب الحساس بتعبير أورهان باموق، لا بد من شرارة تدفع اليراع إلى تدوين الجراح.
كان يبدو منفعلا مثل مراهق أحيانا فيعاتب مدللته على عدم الكتابة له، حتى إنه مرة في رسالة طويلة لم يذكر اسم غادة، بل بدلها باسم أخته فائزة، لقد عبّر في رسائله جميعها عن حبه اللامتناهي وعشقه لجمال غادة وانتظاره الأبدي، لكن غادة دائما حريصة على عدم المغامرة مع رجل متزوج لذا عاملته بحب بارد.
لقد حبلت الرسائل بأفكار مختلفة عن القضية الفلسطينية، عن حياة غسان والمسكوت فيها، عن رفضه القاطع للمدرسة والعائلة والثروة والخضوع والاحتلال والرجعية والإمبريالية، فكان تقدميا في الفكر حرا في الرسائل، خاصة، أن زوجته الدانماركية معلمة مثقفة يمكن أن تكون متفهمة لوضعه، إنها رسائل طافحة بالهزيمة في الحب، رسائل مسودات حميمية تكشفها غادة وتعري فصلا من طقوس الكتابة هي الحقيقة والبنية العميقة للأدب..
إنها رسائل لم يتم تغييرها بخط يده، معنى ذلك أنها تجسد عنف الصراع والفكر والمخاض العسير الذي يمر منه أي كاتب، لذا كانت كاشفة لمواطن الضعف والتشطيب والتسويد في البياض، وإنه لابد بنظري أن يكون لكل كاتب طقسه الحميمي الذي يشجعه على الكتابة، ذلك الطقس يجب أن يخرج من الرقابة إلى الوجود؛ لأنه لم يعد ملكا لأحد. بل غدا دافعا للوعي بعلم نفس الكتابة وطقوسها.
-
أسلوب الرسائل









تعليقات
0