لا يكفي أن نقرأ ما تقوله الحكومة في الواجهة يجب أن نقرأ ما تخبئه في التفاصيل.
عجيب أمر الحكومة الموقرة، ففي عهدها اكتشفنا أن القانون قد يمنحك حقا، ثم تأتي بنص تنظيمي ليشرح لك لماذا لن تحصل عليه..!
لنتأمل قليلا هذه المفارقة العجيبة..
كل شيء يبدو مطمئنا من بعيد مع وجود القانون، لكن حين تقترب الأسر التي تعيش الهشاشة من الإدارة مباشرة أو البوابة، تكتشف أن التفاصيل الصغيرة هي التي تقرر مصيرها.
سطر في قانون. شرط في منصة. أجل غير مفهوم. نص تنظيمي لم يصدر بعد. أو عبارة مطاطة تترك المواطن معلقا بين حق معلن وانتظار طويل.
لهذا قلت، وأكرر: في المغرب، الشيطان لا يسكن القوانين بل يسكن النصوص التنظيمية.
مشروع القانون رقم 041.26 بشأن الدعم الاجتماعي جاء ليعالج وضعية أسر فقدت الدعم الاجتماعي المباشر فقط لأن رب الأسرة أو أحد الزوجين صرح به في الضمان الاجتماعي. تخيلوا العبث: مواطن يخرج من الهامش، يدخل سوق الشغل المهيكل، يصبح مصرحا به، فتقترب منه الإدارة لا لتواكبه، بل لتقول له: بما أنك اشتغلت، فقد خرجت من دائرة الاستحقاق.
أي سياسة اجتماعية هذه التي تربط الحماية بالهشاشة، ثم ترتبك عندما يحاول المواطن الخروج منها؟
الحكومة اليوم تقول إنها ستمنح هذه الأسر منحة استثنائية. حسنا. لكن كم ستدوم هذه المنحة؟ من سيستفيد منها؟ متى ستصرف؟ كيف ستحتسب؟ هل ستصل تلقائيا أم ستُترك الأسر من جديد أمام الوثائق والمنصات والانتظار؟
هنا بيت القصيد.
لأن القانون يعلن النية، أما النص التنظيمي فيصنع الواقع.
القانون يفتح الباب، أما النص التنظيمي فقد يضيقه حتى لا يمر منه إلا القليل.
القانون يمنح الأمل، أما النص التنظيمي فقد يحوله إلى طابور.
وهذه ليست أول مرة.
كم من إصلاح ولد كبيرا في الخطاب، ثم صغر في المراسيم؟
كم من حق بدا واضحا في القانون، ثم ضاع بين الشروط؟
كم من وعد اجتماعي صفقوا له في البداية، ثم تركوا المواطن يبحث عنه في التفاصيل؟
المشكل أن الحكومة تريد من المغاربة أن يصدقوا العناوين، بينما تجربتهم اليومية علمتهم أن الحقيقة توجد في الهوامش. في الجملة الأخيرة. في “تحدد بنص تنظيمي”. في “وفق الشروط والكيفيات”. في “داخل أجل يحدد لاحقا”.
هذه العبارات ليست بريئة دائما. إنها أحيانا غرفة انتظار طويلة للفئات الهشة.
نحن لا نرفض أن تصحح الحكومة خطأها. بل نقول إن التصحيح المتأخر لا يمحو أصل العطب.
كان يجب منذ البداية ألا يعاقب الفقير لأنه اشتغل. كان يجب منذ البداية أن تفهم الحكومة أن الأجير محدود الدخل لا يصبح غنيا بمجرد التصريح به في الضمان الاجتماعي. كان يجب منذ البداية أن تدرك أن الخروج من الهشاشة يحتاج جسرا، لا ضربة إدارية تسحب الدعم دفعة واحدة.
لكن الحكومة، كما هي عادتها، تكتشف المواطن بعد أن يصرخ وتكتشف الخلل بعد أن يصير ملفا وتكتشف أن الفقر ليس رقما في السجل، بعدما تكون الأسر قد دفعت الثمن.
اليوم، مشروع القانون يقترب من المصادقة بمجلس المستشارين. سيقال لنا إن الحكومة أنصتت. وإنها تداركت. وإنها وسعت الحماية. لكننا سننتظر النص التنظيمي، لأنه وحده سيكشف هل نحن أمام إصلاح فعلي أم أمام عنوان جديد في دفتر العناوين الجميلة.
أقولها و على مسؤوليتي: لا يكفي أن نقرأ ما تقوله الحكومة في الواجهة. يجب أن نقرأ ما تخبئه في التفاصيل.
ففي بلدنا، قد يمنحك القانون حقا، ثم يأتي النص التنظيمي ليشرح لك لماذا لن تحصل عليه.










تعليقات
0