تقسيم الجامعات لا يكفي.. المجلس الأعلى للتربية والتكوين يدعو إلى إصلاح عميق لمنظومة التعليم العالي

تقسيم الجامعات لا يكفي.. المجلس الأعلى للتربية والتكوين يدعو إلى إصلاح عميق لمنظومة التعليم العالي
تقسيم الجامعات لا يكفي.. المجلس الأعلى للتربية والتكوين يدعو إلى إصلاح عميق لمنظومة التعليم العالي
أنوار التازي الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 12:34 l عدد الزيارات : 11098

أصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في إطار الاختصاصات الاستشارية المخولة له بموجب الدستور والقانون المنظم له، رأيه بشأن مشروع “مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية المغربية: المرتكزات والرؤية ومنهجية التنزيل”، وذلك استجابة لطلب الرأي الذي توصل به من رئيس الحكومة.

ويهدف المشروع المعروض على المجلس إلى إعادة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية بالمغرب من خلال الانتقال من 12 جامعة عمومية إلى 27 جامعة، عبر تقسيم الجامعات الكبرى وإحداث مؤسسات جامعية جديدة، في إطار توجه يروم تقريب العرض الجامعي من الطلبة وتعزيز الإنصاف المجالي.

بعد تألقه أمام البرازيل.. أيوب بوعدي يشعل سباق الكبار وأرسنال يتحرك أولا
اقرأ المزيد

وأكد المجلس، في رأيه الاستشاري، أن قراءته لوثيقة المشروع انطلقت من منطقها الداخلي ومن المرجعيات المؤطرة لإصلاح منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، مشيرا إلى أن الوثيقة تعكس في مقدمتها وعيا بالتحديات المرتبطة بالتحولات الاقتصادية وسوق الشغل وتأهيل الرأسمال البشري، غير أن هذا التأطير، بحسب المجلس، ظل في حدود الخطاب ولم يجد امتدادا منهجيا واضحا داخل مختلف مكونات الوثيقة التي ركزت أساسا على البعد المجالي لإعادة توزيع العرض الجامعي.

واعتبر المجلس أن هذا المعطى يفرز نوعا من التباين بين الأفق الإصلاحي المعلن والمقاربة العملية المعتمدة، ما يستدعي إعادة النظر في كيفية تأطير المشروع ضمن رؤية إصلاحية أكثر شمولية.

وسجل المجلس ضمن ملاحظاته الأولية أن الوثيقة تستعمل مفهوم “المخطط المديري” باعتباره إطارا مرجعيا مؤطرا لإعادة هيكلة التعليم العالي، غير أنها لا ترتقي إلى اعتماد مقاربة استراتيجية متكاملة لإعادة هيكلة التعليم العالي، بل تظل مقتصرة على مقاربة مجالية محضة لإعادة توزيع العرض الجامعي.

وفي ما يتعلق بالتشخيص الذي اعتمدته الوثيقة، أشار المجلس إلى أنها تؤكد تأثير الاكتظاظ على جودة التكوين وظروف التعلم، كما تضع أهدافا نوعية من قبيل تحسين جودة التكوين وتقليص الهدر الجامعي وتعزيز قابلية التشغيل. غير أن هذه الإشكالات، بحسب المجلس، تحيل على أبعاد بيداغوجية وتنظيمية وهيكلية متداخلة، في حين أن الحل المقترح اقتصر على إعادة تنظيم الخريطة الجامعية العمومية دون معالجة شاملة لهذه الأبعاد.

كما توقف المجلس عند منطق التدرج الزمني الذي تعتمده الوثيقة، موضحا أنها تعتبر مراجعة الخريطة الجامعية مرحلة أولى ضمن مسار إصلاحي أوسع، لكنها لا تحدد المراحل اللاحقة لهذا المسار، ولا توضح كيفية الانتقال بينها أو الإطار الذي سيضمن انسجامها. وأبرز أن الوثيقة المعروضة ليست مشروعا لنص تشريعي أو تنظيمي من شأنه ضمان استدامة توجهاتها أو إلزام السلطات العمومية مستقبلا بمضامينها.

وفي تناوله لمفهوم الإنصاف المجالي، اعتبر المجلس أن إعطاء الأولوية لتقريب الجامعة من الطلبة وتحقيق توزيع أكثر عدالة للعرض الجامعي يظل خيارا وجيها، إلا أن التركيز الحصري على هذا البعد لا يوازيه اهتمام مماثل بمتطلبات الجودة والنجاعة والشروط الضرورية لبروز جامعات قادرة على الاستجابة لهذه المتطلبات.

كما لاحظ أن الوثيقة تربط مشروع مراجعة الخريطة الجامعية بالحاجيات الاقتصادية والمهن الجديدة، دون أن تقدم آليات دقيقة لتحقيق هذه الملاءمة، ومن بينها اعتماد مقاربة قائمة على البناء المشترك مع الجامعات والفاعلين الترابيين والاقتصاديين.

وأكد المجلس أن ملاحظاته الهيكلية بشأن المشروع تستند إلى المرجعيات الوطنية المؤطرة لإصلاح المنظومة التربوية، والتي تشكل إطارا متكاملا يحدد منطلقات الإصلاح وأهدافه وأدواته، خاصة من خلال التأكيد على الطابع النسقي للتحول المنشود ومركزية التخطيط الاستراتيجي كما يجسده مفهوم “المخطط المديري”.

وفي هذا السياق، أبرز المجلس أن تحليله للوثيقة استهدف قياس مدى حضور هذه المرجعيات داخل المشروع، من خلال فحص طبيعة المقاربة المعتمدة ومدى انسجامها مع منطق الإصلاح، انطلاقا من التصور العام الذي يفترض أن يؤطر أي إصلاح، مرورا بجملة من القضايا المرتبطة بالعلاقة بين الخريطة الجامعية والمخطط المديري وحدود المقاربة المجالية الصرفة.

ورغم هذه الملاحظات، سجل المجلس الطابع الإيجابي للتوجه المتعلق بتقسيم الجامعات العمومية الكبرى، معتبرا أن هذا الخيار يتضمن عددا من الغايات والتدابير الإيجابية، في مقدمتها السعي إلى تكريس الإنصاف المجالي في توزيع العرض الجامعي العمومي، وتمكين المجالات الترابية من أدوات تساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال جامعات فعالة ومتجذرة في محيطها الترابي.

كما رأى المجلس أن هذا التوجه من شأنه المساهمة في التخفيف من الاكتظاظ داخل الجامعات العمومية، بما يساعد على تجويد حكامتها، فضلا عن الإسهام في تقريب الخدمات الجامعية من المواطنين وربطها بشكل أوثق بحاجيات المجالات الترابية، إلى جانب تعزيز التنافسية الإيجابية بين الجامعات العمومية وتحفيزها على تحسين أدائها باستمرار.

أما بخصوص المقترح المتعلق بإحداث مؤسسات جامعية متخصصة وتطوير عرض تكويني متجدد يستجيب للحاجيات الوطنية والجهوية، فقد أكد المجلس أن هذه الخطوة تندرج ضمن صلاحيات الجامعات ومجالسها، وذلك انسجاما مع مبدأ الاستقلالية التنظيمية والإدارية والبيداغوجية الذي تكفله القوانين الجاري بها العمل.

وفي ما يتعلق بالانتقال التدريجي من الولوج المفتوح إلى الولوج المحدود، كما ورد في الصفحة الثالثة عشرة من الوثيقة، اعتبر المجلس أن صورة سلبية ترسخت بشأن المسالك ذات الاستقطاب المفتوح، ما أضر بمكانتها وأدى إلى اعتبارها، في نظر فئات واسعة، خيارا أخيرا للطلبة الذين لم يتمكنوا من الولوج إلى المؤسسات ذات الاستقطاب المحدود.

وشدد المجلس على أن هذه المسالك ساهمت بشكل وازن في تكوين النخبة الفكرية والعلمية بالمغرب، داعيا إلى تثمين مختلف مسالك التكوين الجامعي والعمل على تنويع العرض التكويني بما يمكن كل طالب من متابعة التكوين الملائم لإمكاناته واختياراته. وأكد المجلس أن توفير شروط نجاح مراجعة الخريطة الجامعية العمومية يقتضي، أولا، ربط هذه المراجعة بتحول شامل في النموذج البيداغوجي ووظائف الجامعة وحكامتها ودينامية البحث والابتكار، وثانيا، تأطيرها ضمن مسار زمني استراتيجي ومتدرج.

وسجل في هذا الصدد أن المقاربة المعتمدة في الوثيقة تظل، في جوهرها، محكومة بمنطق تدخلي جزئي يركز على إعادة توزيع البنيات في المجال، دون أن يندرج بشكل واضح ضمن تصور نسقي متكامل أو أفق استشرافي محدد المعالم في إطار مخطط مديري للتعليم العالي.

كما دعا المجلس إلى تفعيل الاستقلالية الإدارية والبيداغوجية والمالية للجامعات بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها وتثمين خصوصياتها وتعزيز ارتباطها بمتطلبات التنمية الجهوية، معتبرا أن استمرار مركزية القرار يؤدي إلى نوع من التماثل المؤسساتي بدل التكامل الفعلي، وإلى توزيع إداري للمؤسسات عوض إدماجها في دينامية التنمية الترابية، وهو ما يحد من قدرتها على إحداث أثر تنموي متمايز ومستدام.

وفي السياق ذاته، شدد على ضرورة وضع تصور واضح لآليات القيادة والتتبع وتوزيع الأدوار بين مختلف المتدخلين في تنفيذ مشروع تقسيم الجامعات العمومية، ملاحظا أن الوثيقة لا تحدد أدوات للتخطيط المفصل ولا آليات للتقييم المرحلي والنهائي، الأمر الذي قد يترتب عنه تأخر في التنفيذ وضعف في الأثر المنتظر. كما دعا إلى تقديم تصور زمني واضح لمراحل الإصلاح ومؤشرات دقيقة تسمح بتتبع التقدم المحرز بين مختلف المراحل، انسجاما مع مقتضيات المادة الثامنة من القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، ملاحظا أن الوثيقة تكتفي بالإشارة إلى مراجعة الخريطة الجامعية باعتبارها مرحلة أولى دون تحديد المراحل اللاحقة أو طبيعة الانتقال بينها أو الآليات الكفيلة بضمان انسجامها.

وخلص المجلس إلى أن وثيقة مراجعة هيكلة الخريطة الجامعية العمومية، رغم استحضارها لبعض مفاهيم الإصلاح كما تحددها المرجعيات القانونية والاستراتيجية، تظل في جوهرها محكومة بمقاربة جزئية وتقنية لا تعكس بالشكل الكافي الطابع النسقي والتحولي للإصلاح، الذي لا يتحقق عبر تجميع تدخلات متفرقة، بل من خلال بناء رؤية شاملة تؤطر هذه التدخلات وتمنحها معناها واتجاهها ضمن أفق استشرافي واضح.

وفي هذا الإطار، اعتبر المجلس أن المخطط المديري للتعليم العالي يمثل مدخلا أساسيا لإعادة تأطير هذا المشروع ضمن رؤية إصلاحية شاملة ومندمجة، مذكرا بأنه سبق أن نبه، في رأي استشاري سابق، إلى ضرورة إعداد السلطات العمومية لمخطط مديري توجيهي للتعليم العالي يستجيب للرهانات الجديدة التي تواجه الجامعات المغربية، سواء المرتبطة بالتحولات الدولية ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والبيئية، أو التحديات الوطنية المرتبطة بالجودة والاكتظاظ ومتطلبات تأهيل الرأسمال البشري.

وأكد المجلس أن الهدف المركزي لهذا المخطط يتمثل في جعل الجامعات الوطنية فاعلا أساسيا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحركا لقيام مجتمع مزدهر، عوض اختزال مفهوم المخطط المديري في البعد الترابي للعرض الجامعي. واعتبر أن التحول المنشود لمنظومة التعليم العالي والبحث العلمي يفرض اعتماد مقاربة شمولية متعددة الأبعاد تقوم على إعادة هيكلة المنظومة وتعزيز النموذج البيداغوجي وإرساء حكامة ناجعة وتكريس التكامل بين مختلف المسارات والتكوينات وبرامج البحث العلمي.

وختم المجلس بالتأكيد على أن تأهيل وتحويل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي ينبغي أن يتم في إطار مخطط مديري تتم أجرأته عبر مخطط متعدد السنوات يرتكز على التشاور بين مختلف الفاعلين وينفذ بشكل تدريجي وفق برمجة زمنية محددة، ويعرض على المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لإبداء الرأي بشأنه، انسجاما مع مقتضيات المادة 21 من القانون الإطار 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

بنك المغرب يصدر النسخة الثالثة لجائزته المخصصة للبحث الاقتصادي والمالي
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 20:20

بنك المغرب يصدر النسخة الثالثة لجائزته المخصصة للبحث الاقتصادي والمالي

المغرب يجدد التزامه بجنيف بتعزيز آلية الاستعراض الدوري الشامل
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 20:09

المغرب يجدد التزامه بجنيف بتعزيز آلية الاستعراض الدوري الشامل

مراكش تسجل أكثر من 3,2 ملايين ليلة مبيت بارتفاع 11% خلال الربع الأول من 2026
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 19:45

مراكش تسجل أكثر من 3,2 ملايين ليلة مبيت بارتفاع 11% خلال الربع الأول من 2026

تهنئة ملكية لقادة الدول الإسلامية بمناسبة حلول السنة الهجرية 1448…
الثلاثاء 16 يونيو 2026 - 19:39

تهنئة ملكية لقادة الدول الإسلامية بمناسبة حلول السنة الهجرية 1448…

corner image
error: