لم تكن خسارة كوراساو أمام ألمانيا بسبعة أهداف لواحد كافية لطمس الحكاية. ففي مونديال 2026، لا تُقاس كل القصص بعدد الأهداف، ولا تختصر كل المشاركات في نتائج لوحة الملعب. هناك منتخبات تأتي إلى كأس العالم لتربح مباراة، وهناك منتخبات تأتي لتربح مكانا في ذاكرة اللعبة. كوراساو، الجزيرة الصغيرة في الكاريبي، فعلت ذلك منذ لحظة ظهورها الأول بين كبار الكرة العالمية.
بعدد سكان لا يتجاوز 156 ألف نسمة، ومساحة لا تتعدى 444 كيلومترا مربعا، كتبت كوراساو صفحة غير مسبوقة في تاريخ كأس العالم، بعدما أصبحت أصغر بلد يتأهل إلى النهائيات، متجاوزة الرقم الذي كان مسجلا باسم آيسلندا. غير أن هذه الحكاية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتيجة مشروع كروي طويل النفس، قام على البحث عن المواهب، واستثمار الروابط العائلية والجنسية المزدوجة للاعبين تلقوا تكوينهم في هولندا، ثم إعادة صهرهم داخل هوية كروية كاريبية شديدة الارتباط بالأرض والرمز والنشيد.
وسط هذه الحكاية العالمية، يحضر المغرب من زاوية لافتة. فإلى جانب المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات، يقف الحارس الدولي المغربي السابق خالد سينوح كواحد من الوجوه التقنية التي ساهمت في مرافقة هذا المشروع وترتيب تفاصيله. لم يكن الحضور المغربي هنا حضورا رمزيا أو عابرا، بل جزءا من هندسة تقنية وإدارية ساعدت كوراساو على تحويل حلم صغير إلى مشاركة كبرى في أضخم مسرح كروي في العالم.
سينوح، الذي راكم تجربة كلاعب دولي سابق، وجد نفسه هذه المرة في موقع مختلف: لا يحرس المرمى، بل يشارك في حراسة مشروع منتخب صغير من التشتت، ويساهم في منحه قدرا من الانضباط والتنظيم والقدرة على الإقناع. فقد نجح الطاقم التقني في استمالة لاعبين مزدوجي الجنسية، وتوحيد مجموعة قادمة من مسارات أوروبية مختلفة، حول قميص واحد ونشيد واحد وحلم واحد. لذلك لم تكن دموع اللاعبين أثناء عزف النشيد الوطني تفصيلا عاطفيا، بل دليلا على أن المشروع تجاوز فكرة المشاركة العابرة إلى بناء شعور جماعي بالانتماء.
في المباراة الأولى أمام ألمانيا، كان الفارق الرياضي واضحا. اصطدمت كوراساو بمنتخب من الصف الأول، يمتلك تاريخا وثقلا وتجربة في أعلى المستويات. ومع ذلك، جاءت الدقيقة 21 لتمنح الجزيرة لحظتها الخاصة. المدافع الشاب ليفانو كومينينسيا هز شباك ألمانيا وعدل النتيجة مؤقتا، فاشتعلت ويلمستاد كما لو أن كوراساو أحرزت لقبا. لم يكن الهدف مجرد رقم في مباراة انتهت بخسارة ثقيلة، بل كان أول إعلان بأن هذا المنتخب الصغير لا يريد أن يكون مجرد خلفية في صورة المونديال.
بعد ستة أيام، جاءت المباراة أمام الإكوادور لتؤكد أن كوراساو تعلمت من قسوة البداية. دخل منتخب “الموجة الزرقاء” اللقاء بأولوية واضحة: الصمود، تقليص المساحات، وتأكيد أنه لم يأت إلى الولايات المتحدة من أجل تأثيث المشهد. وبانضباط تكتيكي صارم، ودفاع متأخر، وتضامن جماعي لافت، نجح رفاق الأخوين باكونا وتاهيث تشونغ في انتزاع تعادل تاريخي بدون أهداف، منح كوراساو أول نقطة في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم.
هنا تحديدا تتضح قيمة العمل التقني الهادئ. فالمنتخبات الصغيرة لا تملك رفاهية اللعب المفتوح أمام الكبار، ولا تكسب احترام العالم بالشعارات وحدها. تحتاج إلى تنظيم، وإلى واقعية، وإلى قراءة دقيقة لموازين القوى. وتلك إحدى النقط التي تجعل الحضور المغربي في هذا المسار لافتا، لأن خالد سينوح لم يظهر في الواجهة كاسم للزينة، بل ضمن طاقم ساهم في تحويل منتخب محدود الإمكانات إلى فريق قادر على التعلم السريع والوقوف بثبات أمام منتخب قوي من أمريكا الجنوبية.
ولأن كأس العالم لا يعيش على النتائج وحدها، فقد كسبت كوراساو شيئا آخر: تعاطف الجماهير. قميصها الأزرق المستوحى من بحر الكاريبي، وقميصها الاحتياطي بألوان تحيل على الواجهات الملونة للعاصمة ويلمستاد، جعلا المنتخب جزءا من جماليات البطولة، لا مجرد رقم في جدول المجموعة. إنها كرة القدم حين تعيد للهوية مكانها، وتذكر بأن المونديال ليس حكرا على القوى التقليدية، بل نافذة مفتوحة أمام الجزر الصغيرة والأحلام الكبيرة.
ومع اقتراب المواجهة الأخيرة أمام كوت ديفوار في فيلادلفيا، يبدو أن كوراساو حققت الأهم قبل أن تعرف مصيرها النهائي في المجموعة. لقد دخلت التاريخ، وسجلت هدفها الأول، وحصدت نقطتها الأولى، وقدمت للعالم درسا في معنى أن تكون صغيرا في الجغرافيا وكبيرا في الطموح.
أما المغرب، فحضر في هذه القصة من باب الخبرة والمعرفة والقدرة على المساهمة في صناعة مشروع كروي خارج حدوده. حضور لا يحتاج إلى ضجيج، لكنه يستحق أن يُقرأ جيدا: من حارس دولي سابق إلى مدير تقني يرافق أصغر منتخب في تاريخ كأس العالم نحو كتابة واحدة من أجمل حكايات مونديال 2026.










تعليقات
0