شهدت إسبانيا تقديم أكثر من مليون طلب لتسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، في إطار عملية واسعة أطلقتها الحكومة الاشتراكية منتصف أبريل الماضي، وانتهى أجلها، اليوم الثلاثاء، وسط جدل سياسي حاد بين الحكومة واليمين واليمين المتطرف حول كلفة الهجرة ومردودها الاقتصادي والاجتماعي.
وتكتسي هذه العملية بعدا خاصا بالنسبة لعدد من الجاليات المقيمة في إسبانيا، من بينها الجالية المغربية، بحكم الحضور التاريخي والاقتصادي والاجتماعي للمغاربة داخل النسيج الإسباني، سواء في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات والمطاعم، أو داخل سوق الشغل غير المهيكل الذي ظل، لسنوات، أحد المجالات التي يتحرك فيها مهاجرون في وضعية إدارية صعبة.
وتفيد المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة الإسبانية بأن مسطرة التسوية فُتحت يوم 16 أبريل 2026، بعد نشر المرسوم في الجريدة الرسمية، على أن يستمر أجل تقديم الطلبات إلى غاية 30 يونيو. ويتيح هذا الإجراء، بالنسبة لمن يستوفون الشروط، الحصول على ترخيص أولي للإقامة والعمل لمدة سنة، يسمح بالاشتغال في أي قطاع وعلى امتداد التراب الإسباني.
وتشترط السلطات الإسبانية أن يكون المعني بالأمر موجودا فوق التراب الإسباني قبل فاتح يناير 2026، وأن يثبت إقامة متواصلة لا تقل عن خمسة أشهر قبل تقديم الطلب، مع خلو سجله من السوابق الجنائية وعدم اعتباره تهديدا للنظام العام أو الأمن أو الصحة العامة.
وتعزز المعطيات الإحصائية الإسبانية أهمية استحضار البعد المغربي في قراءة هذه العملية، إذ يشير المعهد الوطني للإحصاء إلى أن المغاربة كانوا ضمن الجنسيات الرئيسية للمهاجرين الوافدين إلى إسبانيا خلال الربع الأول من سنة 2026، كما تصدرت الجنسية المغربية لائحة الجنسيات الأصلية للأجانب الذين حصلوا على الجنسية الإسبانية سنة 2025، بـ42 ألفا و114 حالة.
وبحسب المعطيات المعلنة، فإن السلطات الإسبانية ستتوفر على أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر لدراسة الملفات المقدمة، قبل الحسم في منح أو رفض تصاريح الإقامة والعمل. ويعني ذلك أن آلاف المهاجرين الذين ظلوا يعيشون بين هشاشة الوضع القانوني وصعوبة الولوج إلى الشغل المنظم، ينتظرون الآن قرارا إداريا قد يغير وضعهم اليومي، ويفتح أمامهم باب العمل القانوني والتغطية الاجتماعية والاستقرار الأسري.
ورغم أن الحكومة الإسبانية كانت قد قدرت، عند إطلاق هذه الخطة، أن يستفيد منها نحو نصف مليون شخص، فإن حجم الطلبات تجاوز التوقعات بكثير، ليعكس اتساع قاعدة المهاجرين الذين يعيشون في وضعية غير نظامية داخل البلاد، أو الذين يشتغلون فعليا في الاقتصاد الإسباني دون أن يكونوا مدمجين بالكامل في المنظومة القانونية والاجتماعية.
وتؤكد مدريد، بقيادة رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز، أن هذه التسوية ليست مجرد إجراء إنساني، بل خيار اقتصادي أيضا. فقد دافع سانشيز عن الخطة باعتبارها مفيدة لاقتصاد بلاده، مشددا على أن الهجرة باتت ضرورية لتلبية حاجيات سوق الشغل، في بلد يواجه شيخوخة ديمغرافية متزايدة ونقصا في اليد العاملة بعدد من القطاعات الحيوية.
وقال سانشيز، اليوم الثلاثاء، إن حكومته تريد أن ينظر العالم إلى إسبانيا كدولة تحترم حقوق الإنسان وتحميها وتضمنها، معتبرا أن قرار التسوية يصب في مصلحة الاقتصاد الإسباني، رغم إقراره بوجود تحديات مرتبطة بالاندماج والتعايش داخل المجتمع.
وتبرز إسبانيا، بهذا الخيار، كحالة مغايرة نسبيا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تميل حكومات عديدة إلى تشديد قوانين الهجرة، ورفع وتيرة المراقبة، وتقييد مسارات التسوية. أما حكومة سانشيز، فتقدم نفسها بوصفها مدافعة عن مقاربة تربط بين الحقوق والحاجة الاقتصادية، معتبرة أن إدماج المهاجرين الموجودين فعليا داخل البلاد أفضل من تركهم في الهشاشة والعمل غير المصرح به.
بالنسبة للمهاجرين المغاربة، تحمل العملية أكثر من دلالة. فالمغرب يشكل واحدا من أهم منابع الهجرة نحو إسبانيا، بحكم القرب الجغرافي والروابط العائلية والاقتصادية الممتدة بين الضفتين. كما أن عددا من المغاربة يوجدون في مناطق إسبانية تعرف طلبا كبيرا على اليد العاملة، خاصة في الأقاليم الفلاحية والساحلية والمراكز الحضرية الكبرى.










تعليقات
0