أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الدورة الأولى من “هاكاثون النزاهة” شكلت تجربة وطنية رائدة لاختبار قدرة الابتكار والتكنولوجيا على الإسهام في بناء حلول جديدة تخدم النزاهة والشفافية وتعزز الثقة في المؤسسات، مشدداً على أن المبادرة لم تكن مجرد مسابقة ظرفية، بل انطلقت من قناعة بأن تحديات النزاهة لم تعد تواجه بالأدوات التقليدية وحدها، وأن مكافحة الفساد أصبحت ورشاً جماعياً يشارك فيه المبدعون والباحثون والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني وكل من يملك فكرة قادرة على إحداث أثر إيجابي.
وأوضح بنعليلو، في كلمته خلال حفل اختتام الدورة الأولى من “هاكاثون النزاهة”، أن الهيئة راهنت منذ إطلاق المبادرة على توفر المغرب على طاقات وكفاءات قادرة على تطوير حلول مبتكرة لمواجهة تحديات الحكامة والنزاهة، وعلى تحويل التكنولوجيا إلى رافعة حقيقية لتعزيز الشفافية والوقاية من الفساد، مؤكداً أن نتائج الدورة أثبتت نجاح هذا الرهان.
وأشار إلى أن الدورة الأولى استقطبت 128 مشروعاً ومقترحاً من مختلف جهات المملكة، تقدمت بها إدارات ومؤسسات وهيئات عمومية وجامعات ومراكز للتكوين ومقاولات ناشئة ومكونات من المجتمع المدني وفضاءات شبابية، وهو ما يعكس، بحسب قوله، حجم الإقبال على المبادرة ويبرز وجود رأسمال بشري ومعرفي يؤمن بأن بناء مستقبل أكثر نزاهة وشفافية لا يمر فقط عبر التشريعات والمؤسسات، وإنما أيضاً عبر الابتكار وإنتاج الحلول.
وأضاف أن المشاريع المقدمة كشفت عن مستوى لافت من الإبداع، وقدرة حقيقية على استثمار التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والأدوات الرقمية لمعالجة الإشكالات المرتبطة بالشفافية والوقاية من مخاطر الفساد، وتقوية التفاعل مع المواطنين، وتطوير آليات الإنذار المبكر واليقظة المؤسساتية، معتبراً ذلك مكسباً وطنياً يستحق التثمين.
وشدد رئيس الهيئة على أن نجاح هذه الدورة لا يقتصر على اختيار الفرق الفائزة أو منح الجوائز، بل يتمثل أساساً في إثبات أن النزاهة يمكن أن تكون مجالاً للإبداع والابتكار وريادة الأعمال وإنتاج المعرفة، كما أبرزت أن الشباب المغربي ينظر إلى قضايا الحكامة باعتبارها مجالاً يمكنه الإسهام فيه بخبرته وإبداعه وقدرته على إنتاج الحلول.
وأكد أن المجتمعات لا تتقدم فقط بمحاربة الاختلالات، وإنما أيضاً ببناء البدائل، مشيراً إلى أن المشاريع المشاركة اختارت البحث عن حلول عملية واستثمار التكنولوجيا في تعزيز الوقاية بدل الاكتفاء برد الفعل بعد وقوع الضرر، مبرزاً أن مستقبل النزاهة سيبنى من خلال تصميم أدوات ذكية تساعد على التوقع والاستباق وإدارة المخاطر وتعزيز الثقة وترسيخ ثقافة الشفافية داخل المؤسسات وفي المجتمع.
وأوضح أن مبادرة “هاكاثون النزاهة” تندرج ضمن رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال نحو بناء بيئات مؤسساتية أكثر قدرة على منع تشكل مخاطر الفساد وتقليص فرصه وتعزيز عوامل النزاهة داخلها.
كما وجه بنعليلو الشكر والتقدير إلى أعضاء لجنة التحكيم، معتبراً أن مهمتهم لم تكن سهلة بالنظر إلى جودة المشاريع وتقارب مستوياتها، وهو ما استدعى قدراً عالياً من الموضوعية والتجرد والخبرة، حتى تكون النتائج ثمرة تنافس قائم على الاستحقاق والكفاءة وجودة المشروع وأثره المحتمل.
ولم يفت رئيس الهيئة أن يشيد بالخبراء والمؤطرين والمواكبين الذين رافقوا الفرق المشاركة وساهموا في تطوير أفكارها وتحويلها إلى نماذج أكثر نضجاً وقابلية للعرض، مؤكداً أن نجاح المبادرة كان ثمرة عمل جماعي شاركت فيه كفاءات وخبرات متعددة آمنت بأهمية الاستثمار في الابتكار باعتباره أحد المداخل الواعدة لتعزيز النزاهة والحكامة الجيدة.
وفي هذا السياق، هنأ الفرق الفائزة، مؤكداً في الوقت ذاته أن قيمة التجربة لا تختزل في أسماء المتوجين، بل تشمل جميع الفرق المشاركة وكل فكرة تم تطويرها وكل جهد بذل خلال الأسابيع الماضية، معتبراً أن ذلك يشكل جزءاً من النجاح الجماعي، ودليلاً مباشراً على أن “الفساد ليس قدراً محتوماً، ولم يكن يوماً من طبع المغاربة”، كما قال جلالة الملك محمد السادس.
كما وجه تحية خاصة إلى الفرق التي لم يحالفها التتويج، مؤكداً أن مساهمتها كانت أساسية في إنجاح التجربة وإغناء النقاش وإبراز التنوع في المقاربات والحلول المقترحة، مشيراً إلى أن قيمة مثل هذه المبادرات تقاس أيضاً بالشجاعة في تحويل الفكرة إلى مشروع، وبالإرادة في خوض تجربة جديدة، وبالمعارف والخبرات التي يكتسبها المشاركون.
وختم بنعليلو بالتأكيد على أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها تعتبر هذه المبادرة بداية مرحلة جديدة، تأمل أن تتحول خلالها الأفكار إلى نماذج قابلة للتطوير، وأن تنتقل الحلول من فضاء التجريب إلى فضاء التطبيق، مع توفير المواكبة والاحتضان للمشاريع الواعدة، حتى تسهم فعلياً في تطوير منظومة النزاهة والحكامة بالمغرب.
كما أعرب عن أمله في أن يصبح “هاكاثون النزاهة” موعداً وطنياً متجدداً يجمع سنوياً الفاعلين العموميين والقطاع الخاص والجامعة والمجتمع المدني والمبتكرين الشباب لإنتاج حلول عملية تعزز النزاهة والشفافية والثقة في المؤسسات، مؤكداً أن الرابح الحقيقي في هذه الدورة ليس فقط أصحاب المراتب الأولى، بل منظومة وطنية بدأت تتشكل عند نقطة التقاء الابتكار بالنزاهة، والتكنولوجيا بالمصلحة العامة، والكفاءة المواطنة بخدمة الوطن.










تعليقات
0