مرة أخرى، جاء فاتح ماي ليكشف المسافة الفاصلة بين الخطاب الاجتماعي الرسمي وما يعيشه الأجراء يوميا تحت ضغط الغلاء وهشاشة الشغل وتآكل القدرة الشرائية. ففي الكلمة التي قدمها وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، بدا واضحا حرص الحكومة على تقديم الحوار الاجتماعي باعتباره ورشا مؤسساتيا ناجحا، بل أحد أبرز عناوين حصيلتها الاجتماعية. غير أن ما يثير الانتباه ليس قوة الخطاب ولا وفرة عبارات الالتزام، وإنما محدودية الأثر الملموس لهذه المخرجات في حياة فئات واسعة من الشغيلة والمتقاعدين والطبقات الوسطى والهشة.
صحيح أن مأسسة الحوار الاجتماعي تظل، من حيث المبدأ، توجها مطلوبا في أي تدبير ديمقراطي للعلاقات المهنية والاجتماعية، لكن قيمة الحوار لا تقاس بانتظام جولاته ولا بعدد اجتماعاته، بل بما يترتب عنه من نتائج قابلة للقياس في الأجر، والحماية الاجتماعية، والاستقرار المهني، والعدالة الاجتماعية. ومن هذه الزاوية تحديدا، يبدو أن الحصيلة التي تقدمها الحكومة ما تزال أقل من مستوى التحديات الاجتماعية القائمة، وأقل أيضا من حجم الانتظارات التي راكمها الشارع الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة.
لقد جرى تقديم اتفاقي 30 أبريل 2022 و29 أبريل 2024 باعتبارهما محطتين أساسيتين في تحسين الدخل بالقطاعين العام والخاص والمؤسسات العمومية. غير أن هذه الزيادات، رغم رمزيتها وأهميتها النسبية، لم تكن كافية لوقف النزيف الذي أصاب القدرة الشرائية بفعل موجة غلاء مستمرة شملت المواد الأساسية والسكن والنقل والصحة والتعليم. فالحديث عن تحسين الدخل يفقد كثيرا من وجاهته حين لا ينعكس بشكل فعلي على معيش الأسر، وحين تتحول الزيادة إلى مجرد تعويض جزئي عن خسائر متراكمة، لا إلى مدخل حقيقي للإنصاف الاجتماعي.
أما ما قدمه الوزير بخصوص جولة أبريل 2026، فقد بدا بدوره محكوما بمنطق إبراز ما يمكن تسويقه سياسيا أكثر مما يعكس معالجة شاملة للاختلالات القائمة. فالإجراء المتعلق بتعديل مدونة الشغل لفائدة حراس الأمن الخاص، من خلال تقليص ساعات العمل اليومية من 12 إلى 8 ساعات، يظل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يظل ناقصا ما لم تصاحبه ضمانات حقيقية للتنفيذ والمراقبة. ذلك أن سوق الشغل لا يعاني فقط من نقص في النصوص، بل من ضعف في إنفاذها، ومن هشاشة تجعل فئات واسعة من الأجراء تقبل بشروط مجحفة خوفا من البطالة أو الطرد أو الانتقام المهني.
وإذا كان من الضروري تثمين أي تقدم لفائدة هذه الفئة، فإن الإنصاف الحقيقي لحراس الأمن، كما لغيرهم من العاملين في المهن الهشة، لا يقتصر على خفض ساعات العمل، بل يقتضي أيضا ضمان الأجر العادل، والتصريح الكامل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، واحترام أوقات الراحة، ووضع حد للتحايل الذي تمارسه بعض شركات المناولة على حساب الحقوق الأساسية للأجراء. فبين الإعلان عن الإجراء وتنزيله في الواقع، توجد دائما مسافة تختبر فيها النوايا والسياسات معا.
وفي ما يتعلق بالتكوين المستمر، أعاد الخطاب التأكيد على تعديل القانون رقم 60.17 وتحديث حكامته، غير أن الإشكال هنا ليس فقط في تحديث النصوص، بل في تقييم حصيلة هذا الورش بعد سنوات من محدودية الأثر وضعف النفاذ. فالسؤال الحقيقي هو: من استفاد فعليا من التكوين المستمر؟ وهل تمكن الأجراء داخل المقاولات الصغرى والمتوسطة من الولوج إليه، أم ظل مجالا تستفيد منه بالأساس الفئات الأكثر تنظيما ومؤسسات الإنتاج الكبرى؟ إن أي إصلاح في هذا المجال لن يكتسب مشروعيته إلا بقدرته على توسيع الاستفادة، وربط التكوين فعلا بتحسين شروط العمل والترقي المهني.
وفي ملف القانون التنظيمي للإضراب، لا يبدو كافيا تقديم إخراجه إلى حيز الوجود باعتباره إنجازا سياسيا في حد ذاته. فالأهم من صدور القانون هو فلسفته، وضماناته، ومدى احترامه للطابع الدستوري لحق الإضراب. فتنظيم هذا الحق ينبغي أن يكون مدخلا لحمايته وتأطيره المتوازن، لا وسيلة لتضييقه تحت عناوين فضفاضة من قبيل حماية حرية العمل أو صون المصلحة العامة. لذلك، فإن التخوف من أن يتحول هذا النص إلى أداة لكبح الفعل النقابي يظل تخوفا مشروعا، ما دام النقاش العمومي لم يحسم بعد بشكل مطمئن في حدود التوازن بين الحقوق والقيود.
كما أن التوقف عند قضايا الصحة والسلامة المهنية، وتشغيل الأطفال، وتنظيم المؤتمرات الدولية، يبقى مهما من زاوية الالتزام المؤسساتي والصورة الخارجية، لكنه لا يكفي للجواب عن أسئلة الداخل. فحوادث الشغل ما تزال مقلقة في عدد من القطاعات، وشروط السلامة المهنية لا تحترم دائما بالصرامة المطلوبة، والاقتصاد غير المهيكل ما يزال يستوعب أعدادا كبيرة من العاملين خارج أي حماية فعلية. وهي وقائع لا تعالج بالبلاغات ولا بالمواعيد الدولية، وإنما بسياسات ميدانية حازمة، ورقابة فعالة، وربط واضح للمسؤولية بالمحاسبة.
وإذا كانت الحكومة قد أعلنت عن أكاديمية للتكوين في مجال الشغل والتشغيل والمناخ الاجتماعي، إلى جانب المرصد الوطني للحوار الاجتماعي، فإن التخوف المشروع يتمثل في أن يتحول هذا التوسع المؤسساتي إلى بديل عن الفعالية لا إلى وسيلة لتحقيقها. فالمغرب لا يفتقر دائما إلى الهياكل، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج أثر واضح، وتقديم معطيات دقيقة، وتوجيه القرار العمومي نحو حلول ملموسة بدل الاكتفاء بتدبير الواجهة.
اللافت في الخطاب أيضا أنه اختار أن يركز على ما تعتبره الحكومة مكاسب، من دون أن يفتح بما يكفي الملفات الأثقل والأكثر إلحاحا: البطالة، وخاصة في صفوف الشباب؛ هشاشة الشغل؛ ضعف الأجور؛ أوضاع المتقاعدين؛ التفاوت بين القطاعين العام والخاص؛ التمييز الذي يطال النساء في سوق العمل؛ واستمرار غلاء المعيشة كعامل ضاغط يفرغ أي زيادة من جزء كبير من مضمونها. وهذه كلها ليست ملفات جانبية، بل هي صلب السؤال الاجتماعي الذي يمنح فاتح ماي معناه الحقيقي.
في المحصلة، تبدو الحكومة وقد نجحت إلى حد ما في بناء سردية متماسكة حول مأسسة الحوار الاجتماعي، لكنها لم تنجح بعد في إقناع الرأي العام بأن هذه المأسسة تحولت إلى عدالة اجتماعية محسوسة. فالحوار ليس غاية في ذاته، بل وسيلة يفترض أن تنعكس في تحسين شروط العيش والعمل، وفي تعزيز كرامة الأجير، وفي تقوية الحماية من الطرد والتهميش، وفي بناء تقاعد يحفظ الكرامة، وفي سياسات جبائية واجتماعية تخفف العبء عن الفئات الأكثر هشاشة.
وبين الخطاب الرسمي وواقع الشغيلة، ما تزال هناك فجوة لا تردمها العبارات المطمئنة ولا لغة الحصيلة المشرفة. وحدها السياسات الجريئة، والزيادات المنصفة، والتنزيل الصارم للقوانين، والإنصات الحقيقي للقلق الاجتماعي، يمكن أن تمنح الحوار الاجتماعي معناه الكامل. أما دون ذلك، فسيظل فاتح ماي مناسبة تتجدد فيها الوعود أكثر مما تتجدد فيها الثقة.










تعليقات
0