ساكنة الجبال بالمغرب بين أوجاع الحرمان و محنة التنمية

أنوار التازي الإثنين 21 ديسمبر 2020 - 13:30 l عدد الزيارات : 58384

التازي أنوار

يعيش ما يقرب من مليار نسمة في المناطق الجبلية بالعالم، ويعتمد نصف سكان على الجبال للحصول على المياه والأغذية والطاقة النظيفة. ولكن الجبال عرضة للضغط. فتغير المناخ وتدهور الأراضي والكوارث الطبيعية والإستنزاف، كلها تهدد رفاهية المجتمعات الجبلية وقدرة البيئات الجبلية على إتاحة السلع والخدمات الضرورية التي يؤمنها النظام إلايكولوجي إلى جانب العواقب المحتملة البعيدة المدى والجسيمة التي قد تنتج عن وتؤثر على العالم بأسرة.

و بالمغرب، تعيش ساكنة الجبال تحت رحمة موجة البرد القارس بالرغم من تدخلات السلطات المختصة، وتعاني من العزلة خاصة في موسم تساقط الثلوج، ومايزيد ذلك صعوبة غياب التجهيزات الأساسية.

وفي تخليد اليوم العالمي للجبال، لا تزال التحديات والاكراهات التي تعاني منها ساكنة المناطق الجبلية خاصة خلال موجة البرد أكثر قساوة و صعوبة، وفي هذا السياق صرح الناشط و الفاعل الجمعوي سعيد أنحارو، أن المناطق الجبلية بالمغرب منظومة حيوية وجد مهمة، حيث تنتشر على مساحة تقدر ب 741 178 مربع أي حوالي 26 في المئة من المساحة الاجمالية للتراب الوطني، وتضم في مجالها ساكنة تتجاوز 548 7000 نسمة أي حوالي ثلث سكان المغرب بمعدل كثافة40hab/km2 متجاوزة المعدل الوطني الذي هو 37hab/km2.

وأضاف الفاعل الجمعوي في تصريح لجريدة “أنوار بيرس” تعتبر المناطق الجبلية: مناطق فلاحية حيث يتجاوز عدد المناطق الفلاحية بالمغرب 35في المئة، بمساحة تفوق 3,2 مليون هكتار. كما أنها مناطق غابوية، إذ تنتشر الغابات الجبلية على مساحة 3,5 مليون هكتار أي بمعدل 62 في المئة من مجموع الغابات الطبيعية بالمغرب بتنوع بيولوجي هائل، بالإضافة الى أنها مناطق منجميه ومناطق ثقافية، حاملة لإرث ثقافي وتعدد لغوي يعكس العمق الحضاري للدولة المغربية وتحمي منظومة رمزية واجتماعية قوية.

وشدد المتحدث، على أنه بالرغم من أن المجال الجبلي بالمغرب حاملا لكل هاته الخصائص التي من المفترض أنها تشكل عناصر قوة وإقناع على مستوى الاقتصادي والاجتماعي، فإننا نجد في مقابل هذه القوة في الموارد الطبيعية والبشرية ونتيجة للتدابير والاختيارات السياسية والاقتصادية المطبقة منذ أكثر من 50 سنة، وضعا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ميزته الأساسية هوة كبرى ما بين المجال الجبلي وباقي المجالات الجغرافية بالمغرب، حيث تتميز المناطق الجبلية بوضعية هشاشة ناجمة عن تردي الخدمات الأساسية والخدمات الاجتماعية تعكسهما تقارير التنمية البشرية وخريطة الفقر بالمغرب وكذا الكتاب الثالثة للجهوية المتقدمة في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الصادر عن اللجنة الاستشارية للجهوية الذي يبرز وضعية مؤشرات التنمية السوسيو اقتصادية الجهوية بالمغرب. يقول المتحدث.

و أكد الفاعل الجمعوي سعيد أنحارو، على أن هاته الاختلالات تتمثل إجمالا في، الضعف وغياب البنيات التحتية وقلة المستشفيات ذات التخصصات مع ضعف عددي ملحوظ في الموارد البشرية المختصة خصوصا الأطباء المتخصصين، إلى جانب غياب كبير لتجهيزات الكشف والتجهيزات الراديولوجية، بشكل تولد عنه اعتبار التعيين في المناطق الجبلية تعيينا عقابيا ويدفع المهنيين إلى الانتقال في أول فرصة متاحة بالنظر لعدم قدرة الدولة على تأمين شروط استقرار الأطر الطبية والصحية، فضلا عن ضعف جودة التعليم الذي يولد ارتفاع نسب الهدر المدرسي خصوصا لدى الفتيات الناجم عن ضعف الاستثمار العمومي في مجال التعليم في المناطق الجبلية، كما يعتبر التعيين في المناطق الجبلية تعيينا عقابيا ويدفع المهنيين إلى الانتقال في أول فرصة متاحة بالنظر لعدم قدرة الدولة على تأمين شروط فضلى للتلاميذ والمهنيين لمزاولة مهامهم.

و تهم هذه الإختلالات كذلك، وضعية العقار والتعمير، حيث يتسم الوعاء العقاري بالجبال بشساعة المساحات ذات الأوضاع العقارية الملتبسة” أراضي الجموع، الملك السلالي، أراضي الكيش، …الخ “مما يحد من إمكانيات الاستثمار ويجعل من الأرض مصدر صراع دائم في العديد من الأحيان بين القبائل أو الدواوير أو العائلات.

أما الجانب المعماري، حسب سعيد، فيتميز بغياب ترسيم وإرساء معالم معمارية جبلية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والطبيعية للمناطق الجبلية الشيء الذي نجم عنه تدبير البنيات المعمارية الجبلية وإنتاج أشكال معمارية مستنسخة عن النمط المعماري الحديث.

و أستعرض المتحدث أهم الاختلالات التي تعاني منها ساكنة الجبال، المتمثلة في وضعية الطرق والمعابر والمسالك الطرقية، حيث تعتبر الجماعات الموجودة في الجبال من الجماعات الأكثر وعورة في التنقل بالنظر لضعف ميزانيات الاستثمار الخاصة بالجماعات الترابية وكذا ضعف الاستثمار العمومي في هذا المجال، الشيء الذي ينجم عنه في مناطق جبلية عديدة، خصوصا في فصل الشتاء انقطاع نهائي لبعض المناطق عن العالم الخارجي إما نتيجة فيضانات أو نتيجة تساقطات ثلجية وما ينتج عن هذا الوضع من تأثير على التعليم والصحة والتجارة والفلاحة.

بالإضافة إلى وضعية الربط بالماء والكهرباء والتطهير، حيث تعتبر المناطق الجبلية هي المناطق الأقل استفادة من خدمات الربط بالماء الصالح للشرب والكهرباء.

أبرز المصدر ذاته، أن أوضاع الفقر خصوصا في وسط النساء تعتبر من أهم الاختلالات في هذا السياق، حيث تعتبر المناطق الجبلية بشكل عام المناطق الأكثر فقرا في المغرب حسب خريطة الفقر وما يميز هاته المناطق هو تأنيث الفقر الناجم عن مؤشرات الهدر المدرسي في وسط الفتيات مؤشرات امتهان النساء وكذا الوضع الثقافي الذي كرس الزواج المبكر، وابتهال النساء للعمل المنزلي الغير المؤدى عنه الشيء الذي ينجم عنه ارتفاع مهول في فقر وهشاشة النساء، وما ينجم عنه من تخلف وتراجع في مؤشرات التنمية المحلية.

وذكر أن هاته الأوضاع وأخرى تؤثر بشكل عرضاني على مجموعة من الفئات والنظم والحقوق حيث لها انعكاسات مباشرة على حقوق الأطفال والنساء والشباب والمسنين، ولها تأثيرات وخيمة على النظم البيئية والايكولوجية وكذا تأثيرات مباشرة على الرصيد الثقافي واللغوي والرمزي للمناطق الجبلية.

و أشار، إلى أنه خلال فصل الشتاء تزداد محنة ساكنة الجبل وتتفاقم عزلتهم مع تساقط الثلوج والأمطار الغزيرة، التي تكون مصحوبة بالبرد والصقيع وانخفاض درجة الحرارة الى ما دون الصفر، ما يزيد من معاناة هاته الساكنة الجبلية، الذين يفتقدون لأبسط شروط العيش الكريم، حيث تعاني العديد من العائلات تحت وطأة المنازل المهددة بالسقوط والأغطية المهترئة مع تسجيل ضعف تأمين حطب التدفئة والولوج الى مراكز التموين، كما أنه يصعب على الكثيرين من ساكنة هاته المناطق تأمين مصاريف لقمة العيش والتنقل والتداوي من الأمراض التي تنتشر في هذا الموسم بكثرة.

و قال سعيد أنحارو “أما النساء الحوامل فتلك قصة أخرى من المعاناة مع التنقل في المسالك الوعرة ولمسافة طويلة من أجل الولادة أو القيام بزيارة الطبيب، وهكذا فان ساكنة هاته المناطق لا زالت تعيش بين أوجاع الحرمان والألم والعوز، محرومة من أبسط شروط التطبيب والعلاج، باستثناء بعض القوافل الطبية التي تنظمها وزارة الصحة والتي لا تغطي في نظره حاجيات الساكنة الصحية.”

وعن معاناة سكان المناطق الجبلية المتضررة من موجة البرد القارس، يجيب الفاعل الجمعوي، أنه هذه المعاناة تكمن في صعوبة العثور على التدفئة المناسبة سواء داخل البيوت أو المدارس البعيدة، نظرا لقلة حطب التدفئة بسبب استنزاف الثروات الغابوبة أو لأثمانه المرتفعة، الأمر الذي أدى إلى مشاكل صحية خاصة بالنسبة لكبار السن أو للأطفال الصغار، فضلاً عن معضلة التسرب المدرسي التي تمس فئة كبيرة من التلاميذ، خاصة الإناث منهم.

وفي سؤال للجريدة عن الإجراءات التي تتخذها السلطات العمومية، أكد المتحدث، أن هناك العديد من الإجراءات التي يتم اتخاذها من طرف السلطات العمومية كإحداث لجن إقليمية لليقظة التي تقوم بشكل دوري بعقد لقاءات من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لمجابهة البرد والتخفيف من آثاره على ساكنة المناطق الجبلية، كما أن عمل هذه اللجن يتجلى في إحصاء الرحل والحوامل والمرضى وفتح المسالك وتوفير الآليات من أجل الاستعداد لأي طارئ، كما تقوم بإعداد خطط من أجل العمل على تقليص نسبة المسالك الطرقية التي تنقطع سنويا، وتسهيل تنقل المواطنين القاطنين في الجبال، وتوفير الرعاية اللازمة لهم، تنفيذا للتعليمات الملكية، وفق تعبيرها.

ولفت إلى أنه يتم أحيانا تنظيم قوافل طبية في مجالات الطب العام وأخرى متخصصة والقيام ببعض الكشوفات وتلقح الأطفال والامهات والعجزة… إضافة إلى تنظيم أيام تحسيسية وتوعوية حول كيفية الوقاية من موجة البرد التي تعرفها هذه المنطقة.

و أكد سعيد، أن جل هذه الإجراءات تبقى معزولة ولا تتسم بالرؤية الشمولية ولا تنظر الى التنمية في هاته المناطق من خلال أبعادها المتعددة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما لا نجد اقتراح حلول متكاملة ومبتكرة قادرة على معالجة مختلف الإشكالات التنموية بهاته المناطق، بحيث نجد أن جل السياسات العمومية ترتكز تارة على الهاجس الأمني، وكذا باعتبار هذه المناطق كخزان للثروات الطبيعية واليد العاملة، وتارة أخرى على البعد الاحساني والتضامني، وفي اغلب الحالات في إطار مقاربة التي تعتبرها مجالا قرويا، ومن تم غياب رؤية شمولية منصفة وعادلة لهاته المناطق تراعي الابعاد الترابية والمجالية وكذا الابعاد الحضارية والثقافية لهاته المناطق. الى جانب هذا وذاك نلاحظ ضعف إشراك المجتمع المدني وعدم اعتماد المقاربة التشاركية في تدبير المشاكل وقضايا المناطق الجبلية. يقول المتحدث.

وطالب المتحدث، في إطار الدينامية الترافعية حول المناطق الجبلية بالمغرب بضرورة اعتماد وسن سياسة عمومية مجالية مندمجة ترتكز على المقاربة المبنية على الحق، والتي تستمد مرجعيتها من المعاهدات والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان وكذا مضامين الدستور والخطط الوطنية والتزامات الدولة المغربية بشأن احترام مبادئ حقوق الانسان في شموليتها وكذا ضرورة إدماجها في برامج وسياسات عمومية منصفة للجبل.

كما ترتكز هذه السياسة على المقاربة الاجتماعية والاقتصادية بشكل يضمن التوزيع العادل للثروات بين مختلف ربوع المناطق المغربية والاشراك الفعلي لساكنة المناطق الجبلية في تدبير مواردها الطبيعية وتكريس الديمقراطية المحلية من خلال تمكينهم من المشاركة في وضع وتنفيذ ومراقبة السياسات العمومية المندمجة، والاستفادة من حقهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مع ضرورة تثمين ورسملة موروثهم الثقافي والحضاري باعتباره مصدرا غنيا للنمو ورقي المجتمعات، بالإضافة إلى المقاربة الترابية والعدالة المجالية المبنية على الحكامة الترابية وتبني فلسفة جديدة في تدبـير الشأن المحلي، عبر إعطاء الجماعات الترابية صلاحيات موسعة، ودعم الساكنة المحلية على تدبير أمورها بما يتلاءم وخاصياتها مع تشجيع وضمان مساهمة المجتمع المدني في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية.

ودعا الفاعل الجمعوي، إلى ضرورة سن قانون خاص بالمناطق الجبلية يرتكز على
 التجميع والنسقية في مجال التشريع المنصب حول قضايا الجبل عبر وضع إطار شامل ومتكامل يجاوز واقع التشتت والجزئية الذي يطبع النصوص القانونية على هذا المستوى. فضلا عن منظور تنموي أكثر تقدما ينبني على مفاهيم وآليات في مجال تنمية الجبل، كالتنمية المستدامة الرأسمال الرمزي التراث الأيديولوجي والعدالة المناخية والتوازن البيئي. و إحداث إطار مؤسساتي مستقل ذي صلاحيات تدبيرية وتنسيقية لكافة الجهود والبرامج والسياسات القطاعية في مجال تنمية الجبل.

وشدد على ضرورة إعادة النظر في توزيع الثروات بشكل عادل بما يضمن المساواة وتكافؤ الفرص بين جميع مناطق المغرب، وتثمين منتوجات الزراعات الجبلية ودعمها من طرف الدولة من خلال تكوين وتأطير الفلاح وتوفير التجهيزات والمعدات الحديثة، و سن سياسة عمومية للنهوض بالتعليم تراعي خصوصية المناطق الجبلية من أجل تشجيع التمدرس، وكذا تجويد العرض الصحي وتنويعه من خلال توفير البنيات التحتية وإعادة النظر في الخريطة الصحية.

وختم المتحدث، بمطالبته بفك العزلة عن المناطق الجبلية وتقوية البنيات التحتية (الماء، الكهرباء، الطرق، الموصلات)؛ وتقريب الخدمات من المواطنين في المناطق الجبلية، و سن سياسة خاصة وقوانين لتدبير المخاطر والكوارث والإغاثة في المناطق الجبلية؛ و الحد من القنص غير المنظم ومنع قنص بعض الحيوانات المهددة بالانقراض، والقيام بعمليات للتشجير وحملات للتوعية والتحسيس بأهمية الغطاء النباتي والثروات الطبيعية؛ فضلا عن ضمان العدالة الاجتماعية والمجالية للمناطق الجبلية، والاستعمال المعقلن للثروات الطبيعية مع الاستفادة من خيرات المنطقة الجبلية من لدن الساكنة المحلية.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد
تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 23:30

قروض الأسر المغربية تقترب من 400 مليار درهم.. السكن والاستهلاك يكشفان ضغط القدرة الشرائية

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 22:46

القروض البنكية بالمغرب ترتفع إلى 1.246,8 مليار درهم متم أبريل

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 22:02

حين يتحول التصويت الكروي إلى مرآة للضغائن..المغرب يزعج البعض حتى في استطلاعات المونديال

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:15

النقابة الوطنية للصحة العمومية تطالب بتصفية شفافة لتعويضات الحراسة والمداومة

corner image
error: