-
علي بنساعود
مرة، زرت ضواحي مدينة ميدلت، وكنت رفقة السيدة مارتا سانك سبيريدوفيتش، قنصل بولونيا بالرباط، وهي سيدة على قدر كبير من الثقافة والرقي والجمال الخلقي والإنساني…
كانت المناسبة هي إشراف هذه السيدة على عملية إنسانية تمثلت في إيصال كمية من المساعدات، وتوزيعها على سكان أحد القصور بسفح جبل العياشي، بإقليم ميدلت، حيث الظروف الطبيعية والمناخية صعبة، يضاعف من حدتها الفقر والبطالة المستشريان وسط السكان، وغياب شبه تام للبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية…
-
لا للمساس بكرامة المستضعفين!
ما لا يمكن أن أنساه أبدا، بخصوص هذه الزيارة، هو أنه وقبل بدء مراسيم حفل توزيع المساعدات، اقتربت مني السيدة القنصل وهمست في أذني: “أرجوك لا تلتقط صورا للمستفيدين أثناء توزيع المساعدات عليهم”، ربما قرأت تساؤلات أو امتعاضا في عيني، فواصلت: “يجب أن ندرك جميعا أن في التقاط الصور لهؤلاء المستضعفين، وإظهار وجوههم، ونشرها بين الناس، ضررا نفسيا لهم، لا يقتصر على إذلالهم، وامتهان كرامتهم، وإراقة ماء وجوههم فحسب، بل فيه جرح لمشاعرهم، وتهديد لمستقبلهم بطريقة تجر عليهم حزنا يُذهب فرحتهم بما حصلوا عليه من مساعدات، كما قد يؤدي إلى شعورهم بالدونية، وما يترتب عليها من قلق وتوتر نفسي، ونحن هنا لنساعدهم ونعبر عن تضامننا معهم، لا للتشهير بهم والمساس بكرامتهم ومضاعفة معاناتهم!!!”
-
تربية على القيم
وحسب المسؤولة البولونية، التي كانت مرفوقة بوفد يمثل القنصلية وجالية بلادها المقيمة بالمغرب وإدارة وأساتذة وتلاميذ المدرسة البولونية بالرباط، فالتلاميذ هم من تكفل بجمع المساعدات التي تمثلت في ملابس وأغطية وأدوية وكتب وأدوات مدرسية وحلويات… فيما اقتصر تدخل القنصلية على توفير الدعم اللوجيستي. وتم كل هذا بتنسيق مع جمعية محلية هي التي قامت بتوزيع المساعدات على مستحقيها من سكان القصر ورُحَّل المنطقة.
واعتبرت قنصل بولونيا في تصريح لي، وكنتُ موفدا، آنذاك، من قبل جريدة وطنية، أن أهم فائدة يمكن استخلاصها من هذا العمل، بالنسبة إليها، هي التلاقي والتواصل الإنساني المباشر بين تلاميذ المنطقة وتلاميذ المدرسة البولونية، وهو تواصل لا يمكن أن تحققه أو تعوضه وسائل الاتصال الحديثة.
ولأن أغلب تلاميذ المدرسة البولونية ينحدرون من زواج مغربي _ بولوني، فقد اعتبرت السيدة القنصل أن هذا العمل سيتيح لهم قضاء «نهاية أسبوع مختلفة»، تسمح لهم بتقاسم الوقت مع نظرائهم بهذه المنطقة، وربط الصلة بجذورهم، والتعرف على جزء من وطنهم، المغرب العميق، وعلى حياة ونمط عيش مختلفين، وعلى جزء من ثقافتهم وهويتهم المتعددة، وعلى الرُّحَّل، هم الذين تعودوا أن يتلقوا معلومات نظرية عنهم فقط.
-
كل النساء جميلات…









تعليقات
0