قطاع الدواجن بين تضليل الأرقام وواقع السوق: من يستفيد فعلًا من الاختلالات؟

محمد رامي الأحد 8 فبراير 2026 - 10:49 l عدد الزيارات : 217708

تُروَّج في الآونة الأخيرة معطيات تُحمِّل الوسطاء وحدهم مسؤولية اختلالات سوق الدواجن، وتقدّم صورة توحي بأن انخفاض الأسعار عند المنتج لم ينعكس مطلقًا على المستهلك، وأن سنة 2025 كانت سنة “تضحية كبرى” من طرف المربين دون أي أثر اجتماعي. غير أن قراءة دقيقة للمعطيات الميدانية، كما تؤكدها مصادر مهنيّة من داخل القطاع، تكشف أن هذه الرواية تبسيطية وتغفل عناصر أساسية في تشكّل الأسعار.

فعليًا، لم ينهَر ثمن الكتكوت إلى نصف درهم كما يُروَّج، بل سجّل انخفاضًا في حدود درهمين، وهو مستوى كان موعودًا به منذ توقيع العقود الأولى لبرامج تأهيل القطاع سنة 2008. هذا الانخفاض لا يعكس اختلالًا فجائيًا بقدر ما يعيد السعر إلى مرجعيته الأصلية، بعد سنوات من الارتفاع غير المبرر الذي أثقل كاهل المربين الصغار.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

أما بخصوص أسعار الدجاج اللحم داخل الضيعات، فتؤكد المعطيات الميدانية أن البيع يتم فعليًا بأقل من 10 دراهم في محور الدار البيضاء–مراكش، ويرتفع إلى حوالي 11.50 درهمًا بالمناطق البعيدة، ليصل إلى المستهلك بأقل من 15 درهمًا. وهي مستويات تُفنِّد الادعاء بأن السوق النهائية لم تتأثر مطلقًا بانخفاض سعر الإنتاج، وتؤكد أن جزءًا من هذا الانخفاض انعكس بالفعل على المستهلك.

المفارقة الحقيقية لا تكمن في “جشع الوسطاء” وحدهم، بل في معادلة مختلّة يتحمّل فيها المربّي الخسارة الأكبر. فتكلفة إنتاج الدجاج، وفق مصادر مهنيّة، تتجاوز 15 درهمًا للوحدة، ما يعني أن المربّي يشتغل بخسارة تفوق 5 دراهم في أحسن الظروف. هنا تتضح الأزمة الحقيقية: انخفاض الأسعار لم يكن خيارًا استراتيجيًا طوعيًا بقدر ما كان نتيجة ضغط بنيوي على المربّي الصغير، في ظل كلفة إنتاج مرتفعة وسوق غير متوازنة.

كما أن ربط الاختلالات فقط بالاضطرابات الجوية وتأخر تفريغ شحنات الذرة والصويا في موانئ الدار البيضاء والجرف الأصفر يظل طرحًا جزئيًا.

صحيح أن العوامل المناخية وانقطاع المسالك نحو عدد من الضيعات أثّرا على التموين ونمو القطيع، غير أن الأثر الأبرز كان إداريًا وتنظيميًا، ويتجلى في عرقلة تزويد الضيعات الصغيرة بالأعلاف، ما انعكس مباشرة على حجم العرض وجودته، وفسّر الارتفاع الأخير الذي سجله سوق الدار البيضاء بأكثر من درهمين.

وفي هذا السياق، تبرز نقطة جوهرية جرى تجاهلها في المعطيات المتداولة، وتتعلق بالنقاش البرلماني حول قانون المالية لسنة 2026. إذ شكّل تشبث المربين الصغار، بدعم من الفريق الاشتراكي، بمطلب إعفاء كتاكيت دجاج اللحم من الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة، لحظة مفصلية في إعادة التوازن. فقد كان هذا الكتكوت يُفرض على المربّي الصغير بأكثر من 14 درهمًا، وهو عبء ضريبي ساهم بشكل مباشر في تضخيم كلفة الإنتاج، وليس في حماية أي طرف من أطراف السلسلة.

خلاصة القول، إن تصوير الأزمة باعتبارها صراعًا بسيطًا بين منتج “مضحي” ووسيط “مضارب” ومستهلك “ضحية” لا يخدم فهم الواقع ولا يفتح أفق الإصلاح. الإشكال أعمق، ويتعلق بهشاشة الضيعات الصغيرة، وكلفة الإنتاج غير المتوازنة، واختلالات التزويد، قبل أن يكون مسألة تسويق فقط. وأي نقاش جدي حول قطاع الدواجن يجب أن ينطلق من هذه المعطيات، لا من أرقام مجتزأة تُستعمل لتبرير فشل بنيوي متعدد المستويات

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 23:30

قروض الأسر المغربية تقترب من 400 مليار درهم.. السكن والاستهلاك يكشفان ضغط القدرة الشرائية

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 22:46

القروض البنكية بالمغرب ترتفع إلى 1.246,8 مليار درهم متم أبريل

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 22:02

حين يتحول التصويت الكروي إلى مرآة للضغائن..المغرب يزعج البعض حتى في استطلاعات المونديال

الأربعاء 3 يونيو 2026 - 21:15

النقابة الوطنية للصحة العمومية تطالب بتصفية شفافة لتعويضات الحراسة والمداومة

corner image
error: