قطع التحكيم المغربي مسارا طويلا داخل كرة القدم العالمية، انتقل خلاله من حضور محدود في المنافسات الكبرى إلى موقع يحظى بالاعتراف داخل المنظومة التحكيمية الدولية. ولم يكن هذا المسار وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تراكم مهني بدأ بأسماء صنعت مكانتها في الملاعب الإفريقية والدولية، قبل أن يبلغ إحدى لحظاته التاريخية مع الراحل سعيد بلقولة، ثم يتواصل اليوم مع جيل جديد يستعد لتسجيل حضور مغربي لافت في كأس العالم 2026.
ويظل اسم سعيد بلقولة علامة فارقة في ذاكرة التحكيم المغربي والإفريقي والعربي. ففي نهائي كأس العالم 1998 بفرنسا، دخل ابن مدينة تيفلت التاريخ من أوسع أبوابه، بعدما قاد مباراة النهائي بين فرنسا والبرازيل، ليصبح أول حكم إفريقي وعربي يدير نهائيا للمونديال. ولم يكن ذلك التعيين مجرد لحظة رمزية، بل كان اعترافا دوليا بكفاءة حكم مغربي فرض شخصيته وهدوءه وقدرته على التحكم في واحدة من أكبر مباريات كرة القدم العالمية.
وقبل النهائي الشهير، كان بلقولة قد راكم تجربة دولية مهمة، إذ أدار مباريات في كأس العالم بفرنسا، كما حضر في منافسات كأس إفريقيا للأمم. وقد منحه ذلك التراكم موقعا خاصا بين حكام جيله، وجعل اسمه يرتبط، إلى اليوم، بإحدى أهم الصفحات المضيئة في تاريخ الصافرة المغربية. وتشير مراجع دولية متخصصة إلى أنه أدار ثلاث مباريات في مونديال 1998، بينها النهائي التاريخي بين فرنسا والبرازيل.
ولم يتوقف الحضور المغربي في كأس العالم عند بلقولة. ففي مونديال 2002 بكوريا الجنوبية واليابان، سجل الحكم المغربي محمد كزاز حضوره في النهائيات، بعدما قاد مباراة إسبانيا وسلوفينيا في دور المجموعات. ويعد كزاز، إلى جانب بلقولة، من الأسماء المغربية التي تولت إدارة مباريات داخل نهائيات كأس العالم كحكم ساحة، بما يعكس امتداد المدرسة التحكيمية المغربية داخل المنافسات الدولية الكبرى.
وخلال السنوات اللاحقة، واصل عدد من الحكام المغاربة تعزيز الحضور الوطني في الواجهات القارية والدولية. فقد برزت أسماء من قبيل رضوان جيد، وعادل زوراق، وبوشعيب لحرش، ورضوان عشيق، وغيرهم، داخل مسابقات الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، وتصفيات كأس العالم، وكأس العالم للأندية، ومنافسات المنتخبات. ورغم أن بلوغ نهائي كأس العالم ظل إنجازا استثنائيا لم يتكرر بعد، فإن انتظام الحضور المغربي داخل اللوائح الدولية ساهم في ترسيخ صورة حكم مغربي قادر على مواكبة إيقاع المنافسات الكبرى.
كما شكلت تقنية الفيديو المساعد للحكم “الفار” محطة جديدة في مسار التحكيم المغربي. ففي مونديال قطر 2022، اختارت لجنة الحكام التابعة لفيفا الحكمين المغربيين رضوان جيد وعادل زوراق ضمن حكام تقنية الفيديو، في مؤشر على انتقال الحضور المغربي من الصافرة التقليدية إلى منظومة التحكيم الحديثة، التي باتت تعتمد على التخصص التقني، وسرعة قراءة اللقطات، والتنسيق الدقيق بين حكم الساحة وغرفة الفيديو.
هذا التحول لم يكن معزولا عن التطور الذي عرفه التحكيم الدولي عموما. فقد أصبحت المنافسات الكبرى تتطلب إعدادا بدنيا ونفسيا وتقنيا أكثر تعقيدا، كما صار الحكم مطالبا بالتعامل مع إيقاع أسرع، وضغط جماهيري وإعلامي أكبر، وتفاصيل تقنية دقيقة تدخل فيها الكاميرات وخطوط التسلل وأنظمة الاتصال الفوري. لذلك، لم يعد الحكم الناجح هو صاحب الصافرة القوية فقط، بل صار جزءا من فريق متكامل يضم حكام الساحة والمساعدين وحكام الفيديو.
في هذا السياق، يأتي حضور التحكيم المغربي في كأس العالم 2026، المقررة بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ليؤكد استمرار هذا المسار التصاعدي. فقد أعلنت فيفا عن لائحة تضم 52 حكما، و88 حكما مساعدا، و30 حكم فيديو من 50 اتحادا وطنيا، لإدارة أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، التي ستعرف مشاركة 48 منتخبا وخوض 104 مباريات.
وضمن هذه اللائحة، سيكون المغرب ممثلا بأربعة حكام: جلال جيد حكما للساحة، وزكرياء برينسي ومصطفى أكركاد حكمين مساعدين، وحمزة الفارق حكما لتقنية الفيديو. ويكتسي هذا الاختيار أهمية خاصة، لأنه يمنح المغرب حضورا متكاملا داخل منظومة التحكيم في نسخة موسعة من كأس العالم، لا تقتصر على حكم واحد، بل تشمل مختلف أدوار الطاقم التحكيمي الحديث.
ويبرز جلال جيد ضمن جيل جديد من الحكام المغاربة الذين راكموا تجربة معتبرة في البطولة الوطنية والمسابقات الإفريقية، قبل الانتقال إلى مستوى أعلى من الاختبار الدولي. أما زكرياء برينسي ومصطفى أكركاد، فيجسدان أهمية الحكم المساعد في كرة القدم الحديثة، حيث لم تعد مهمته محصورة في مراقبة التسلل وخط التماس، بل بات طرفا أساسيا في ضبط الحالات الحاسمة والتواصل مع حكم الساحة. من جهته، يمثل حمزة الفارق امتدادا لحضور مغربي داخل مجال “الفار”، بعد تجربة رضوان جيد وعادل زوراق في مونديال قطر 2022.
وتكشف لائحة الكاف الخاصة بمونديال 2026 أن إفريقيا ستكون ممثلة بـ19 مسؤولا تحكيميا، بينهم سبعة حكام ساحة، وعشرة حكام مساعدين، وحكمان لتقنية الفيديو. ومن بين هؤلاء، يوجد جلال جيد ضمن حكام الساحة، وبرينسي وأكركاد ضمن الحكام المساعدين، وحمزة الفارق ضمن حكام الفيديو. كما أوضحت الكونفدرالية الإفريقية أن اختيار هؤلاء المسؤولين يعكس أهمية المسابقات الإفريقية في إعداد الحكام وتأهيلهم للمواعيد العالمية الكبرى.
ويمنح هذا الحضور المغربي في مونديال 2026 دلالة مزدوجة. فمن جهة، يعيد إلى الواجهة الذاكرة الرمزية التي صنعها سعيد بلقولة في فرنسا سنة 1998. ومن جهة ثانية، يؤكد أن التحكيم المغربي لم يبق أسير لحظة تاريخية واحدة، بل واصل بناء موقعه داخل منظومة أكثر احترافا وتعقيدا. فبين صافرة بلقولة في نهائي باريس، وحضور طاقم مغربي متعدد الاختصاصات في مونديال 2026، تبدو المسافة الزمنية عنوانا لتحول عميق في مفهوم التحكيم نفسه.
غير أن هذا الاعتراف الدولي يضع التحكيم المغربي أمام مسؤوليات أكبر. فالمشاركة في كأس العالم ليست غاية في حد ذاتها، بل امتحان مفتوح أمام أنظار العالم. وهي تفرض مزيدا من الاستثمار في التكوين، والرفع من مستوى المنافسة المحلية، وتحصين استقلالية الحكم، وتعزيز الثقة بين الأندية، واللاعبين، والجمهور، والجهاز التحكيمي. ذلك أن الحكم الذي يمثل بلده في المونديال يحتاج، قبل الوصول إلى العالمية، إلى بيئة وطنية تمنحه شروط التطور والحماية والتقييم العادل.
ومن هنا، فإن قصة التحكيم المغربي في كأس العالم ليست فقط قصة أسماء ونسخ مونديالية. إنها مسار مهني بدأ بإرادة فردية وكفاءة ميدانية، وتطور مع الزمن إلى حضور مؤسساتي داخل لوائح فيفا والكاف. وبين سعيد بلقولة ومحمد كزاز، ثم رضوان جيد وعادل زوراق، وصولا إلى جلال جيد وزكرياء برينسي ومصطفى أكركاد وحمزة الفارق، تتشكل ملامح مدرسة مغربية تسعى إلى تثبيت مكانتها في واحدة من أكثر المهن الكروية حساسية.
لقد منح سعيد بلقولة للتحكيم المغربي لحظة خالدة. أما الجيل الجديد، فيحمل اليوم مهمة تحويل تلك اللحظة إلى استمرارية. وفي مونديال 2026، سيكون الحضور المغربي أكثر من مشاركة تقنية؛ سيكون اختبارا جديدا لصافرة تسعى إلى تأكيد أن المغرب لم يعد فقط يراكم الحضور في الملاعب، بل يواصل أيضا تثبيت اسمه داخل قضاء كرة القدم العالمية.










تعليقات
0