السؤال الاجتماعي لا يبدأ من رقم الناتج الإجمالي، بل من أثره على الأسر
أظهرت الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2025 أن الناتج الداخلي الإجمالي حسب الفرد بلغ 45.614 درهما، مقابل 43.891 درهما سنة 2024، و40.669 درهما سنة 2023. كما ارتفع إجمالي الدخل الوطني المتاح حسب الفرد إلى 48.553 درهما، بعدما كان في حدود 46.872 درهما سنة 2024، و43.600 درهم سنة 2023.
هذه الأرقام تبدو، في ظاهرها، إيجابية. فهي تعكس ارتفاعا في متوسط الثروة المنتجة داخل الاقتصاد، وتحسنا في الدخل الوطني المتاح للفرد. غير أن قراءة هذا المؤشر تحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالناتج الفردي لا يعني أن كل مغربي حصل فعليا على 45.614 درهما خلال السنة. إنه متوسط حسابي يقسم الناتج الداخلي الإجمالي على عدد السكان. لذلك يمكن أن يرتفع هذا المتوسط، دون أن يشعر جزء واسع من الأسر بتحسن مباشر في دخله أو قدرته الشرائية.
المعطى الإيجابي الأول هو أن الاقتصاد المغربي سجل نموا بالحجم بلغ 4,9% سنة 2025، مقابل 4,4% سنة 2024. كما ارتفع الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية إلى 1.720,2 مليار درهم، مقابل 1.614,6 مليار درهم سنة 2024. وهذا يعني أن الاقتصاد أنتج قيمة أكبر، وأن الحجم العام للنشاط الاقتصادي واصل التحسن، مدفوعا أساسا بانتعاش الفلاحة وارتفاع الاستثمار.
لكن السؤال الاجتماعي لا يبدأ من رقم الناتج الإجمالي، بل من أثره على الأسر. وهنا تظهر أولى المفارقات. ففي الوقت الذي ارتفع فيه الناتج الفردي، تباطأ نمو نفقات الاستهلاك النهائي للأسر بشكل واضح، منتقلا من 2,9% سنة 2024 إلى 1,2% فقط سنة 2025. كما تراجعت مساهمة استهلاك الأسر في النمو من 1,8 نقطة إلى 0,7 نقطة. وهذا يعني أن ارتفاع المتوسطات الاقتصادية لم يتحول بالضرورة إلى قوة استهلاكية أكبر لدى الأسر.
هذا التباين يفرض قراءة مزدوجة. من جهة، يمكن القول إن ارتفاع الناتج الفردي مؤشر على تحسن الأداء الاقتصادي العام. ومن جهة أخرى، فإن ضعف استهلاك الأسر يكشف أن هذا التحسن لم يكن كافيا لإحداث انفراج ملموس في ميزانيات المواطنين. فالأسر لا تقيس وضعها بالناتج الفردي، بل بما يتبقى لها بعد أداء مصاريف الغذاء والسكن والنقل والطاقة والتعليم والصحة.
ويجب الانتباه هنا إلى أن المستوى العام للأسعار ارتفع بنسبة 1,6% سنة 2025. وهذا معطى أقل حدة مقارنة بفترات التضخم المرتفع، لكنه لا يعني أن الضغط المعيشي انتهى. فالأسعار التي ارتفعت خلال السنوات السابقة مازالت حاضرة في كلفة العيش اليومية. كما أن تباطؤ التضخم لا يعني بالضرورة تراجع الأسعار، بل يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.
من زاوية أخرى، يبرز ارتفاع إجمالي الدخل الوطني المتاح حسب الفرد إلى 48.553 درهما كمعطى مهم. فهذا المؤشر يتجاوز الناتج المحلي، لأنه يأخذ بعين الاعتبار صافي الدخول المتأتية من بقية العالم. غير أن هذا المتوسط، بدوره، لا يكشف توزيع الدخل بين الفئات الاجتماعية. فقد يتحسن المتوسط العام، بينما تبقى فوارق الدخل قائمة أو تتسع، خصوصا إذا لم يكن النمو مصحوبا بتشغيل كاف، وأجور أفضل، وحماية اجتماعية فعالة.
كما أن بنية النمو المسجلة سنة 2025 تطرح سؤالا إضافيا. فقد جاء التحسن العام مدفوعا بارتفاع الأنشطة الفلاحية بنسبة 8,2%، بعدما كانت قد تراجعت بـ5,7% سنة 2024. كما ارتفع إجمالي الاستثمار بنسبة 16,3%، وبلغ معدل الاستثمار 33,6% من الناتج الداخلي الإجمالي. هذه مؤشرات إيجابية، لكنها تعني أيضا أن جزءا مهما من النمو ارتبط بعوامل قد لا تنعكس فورا على دخل الأسر، خاصة إذا كان الاستثمار موجها إلى مشاريع طويلة الأمد أو قطاعات محدودة التشغيل المباشر.
في المقابل، تباطأت الأنشطة غير الفلاحية من 5,1% سنة 2024 إلى 3,9% سنة 2025. كما عرف القطاع الثالثي تباطؤا من 5,6% إلى 4,3%، وتراجع نمو النقل والتخزين، والفنادق والمطاعم، والخدمات المالية، بينما سجل الإعلام والاتصال انخفاضا بنسبة 0,5%. وهذه مؤشرات لا ينبغي تجاهلها، لأنها تخص قطاعات واسعة الارتباط بالتشغيل والدخل والخدمات.
لذلك، فإن ارتفاع الناتج الفردي إلى 45.614 درهما لا يجب أن يقرأ باعتباره دليلا كافيا على تحسن مستوى عيش المغاربة. هو مؤشر اقتصادي مهم، لكنه يحتاج إلى مؤشرات مرافقة: تطور الأجور، خلق فرص الشغل، توزيع الدخل، كلفة المعيشة، حجم الطبقة الوسطى، ومستوى الولوج إلى الخدمات الأساسية. بدون هذه المؤشرات، يبقى الناتج الفردي رقما متوسطا أكثر منه مرآة دقيقة للواقع الاجتماعي.
وتظهر أهمية هذا النقاش حين نربط الناتج الفردي بالاستهلاك. فإذا كان متوسط الناتج حسب الفرد قد ارتفع، بينما تباطأ استهلاك الأسر إلى 1,2%، فهذا يعني أن جزءا من النمو لم ينتقل بالسرعة نفسها إلى الطلب الاستهلاكي. وقد يعكس ذلك ضعفا في الدخل الحقيقي، أو حذرا في الإنفاق، أو تركيزا أكبر للثروة المنتجة في قطاعات لا توزع أثرها بسرعة على عموم المواطنين.
كما أن ارتفاع الحاجة إلى تمويل الاقتصاد من 1,2% إلى 2,4% من الناتج الداخلي الإجمالي يضيف بعدا آخر للنقاش. فالاقتصاد يستثمر أكثر، لكنه يحتاج إلى تمويل أكبر. وهذا يمكن أن يكون إيجابيا إذا كان الاستثمار منتجا وذا مردودية اقتصادية واجتماعية. لكنه قد يصبح مصدر ضغط إذا لم يتحول إلى إنتاجية أعلى، ومداخيل ضريبية أفضل، وفرص شغل أوسع.
الخلاصة أن ارتفاع الناتج الفردي سنة 2025 يحمل رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى إيجابية: الاقتصاد المغربي أنتج أكثر، ومتوسط الناتج والدخل المتاح للفرد ارتفعا، والاستثمار سجل دينامية قوية. أما الرسالة الثانية فهي أكثر حذرا: هذا التحسن لم يظهر بالوضوح نفسه في استهلاك الأسر، ولم يلغ أسئلة القدرة الشرائية، ولم يحسم النقاش حول توزيع ثمار النمو.
ما يحتاجه المغرب، إذن، ليس فقط نموا يرفع المتوسطات، بل نموا يوسع قاعدة المستفيدين. فالمؤشر الحقيقي ليس أن يرتفع الناتج الفردي في الجداول، بل أن يشعر المواطن بأن دخله يصمد أمام الأسعار، وأن فرص الشغل تتحسن، وأن الخدمات الأساسية تصبح أقل كلفة وأكثر جودة. عندها فقط يتحول الناتج الفردي من رقم اقتصادي إلى معنى اجتماعي ملموس.










تعليقات
0