معطيات صادمة.. حواضر المغرب تقتل أكثر من حواضر فرنسا وتكشف عطب السلامة الطرقية ببلادنا

معطيات صادمة.. حواضر المغرب تقتل أكثر من حواضر فرنسا وتكشف عطب السلامة الطرقية ببلادنا
معطيات صادمة.. حواضر المغرب تقتل أكثر من حواضر فرنسا وتكشف عطب السلامة الطرقية ببلادنا
محمد اليزناسني الإثنين 8 يونيو 2026 - 23:26 l عدد الزيارات : 4701

تكشف أرقام حوادث السير داخل الحواضر المغربية عن وضع خطير لا يحتمل التطبيع معه. فحين تسجل المدن المغربية، خلال سنة واحدة، 112 ألفا و925 حادثة سير جسمانية، مخلفة 1.664 قتيلا و6.123 جريحا بليغا، فإن الأمر لم يعد مجرد اختلال في احترام قانون السير، بل تحول إلى نزيف حضري مفتوح، يطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة سياسات السلامة الطرقية ببلادنا.

خطورة هذه الحصيلة تظهر أكثر عند مقارنتها بفرنسا. فالمناطق الحضرية بفرنسا المتروبولية سجلت، خلال سنة 2025، وفاة 1.031 شخصا في حوادث السير، بينما سجلت حواضر المغرب 1.664 قتيلا خلال السنة نفسها. الفارق هنا ليس بسيطا ولا عابرا. نحن أمام حوالي 633 وفاة إضافية داخل المدن المغربية مقارنة بالمدن الفرنسية، أي إن حواضر المغرب قتلت أكثر بنحو 61 في المائة من حواضر فرنسا.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

هذه المقارنة تصبح أكثر إزعاجا إذا استحضرنا فارق السكان والإمكانات والتنظيم. فرنسا تضم عددا أكبر من السكان، وحركة سير كثيفة، وشبكة طرقية حضرية واسعة، ومع ذلك تبقى حصيلة الوفيات داخل حواضرها أقل بكثير مما تسجله المدن المغربية. وهذا المعطى يفرض الخروج من القراءة السطحية التي تختزل حوادث السير في خطأ فردي يرتكبه سائق أو راجل، لأننا أمام مؤشر حضري واجتماعي ومؤسساتي بالغ الخطورة.

ليست المسألة رقما فقط. وراء 1.664 قتيلا داخل حواضر المغرب توجد أسر مكلومة، وأطفال فقدوا آباءهم، وآباء فقدوا أبناءهم، ومصابون غادروا حياتهم الطبيعية إلى عجز دائم أو علاج طويل. وهناك أيضا كلفة اقتصادية واجتماعية تتحملها الأسر، والمستشفيات، وصناديق التأمين، والمقاولات، والدولة. لذلك، لا يجوز أن تمر هذه الحصيلة كما تمر البلاغات الأسبوعية، أو أن تتحول إلى أرقام باردة في تقارير رسمية.

الأرقام الرسمية تؤكد أن سنة 2025 لم تكن عادية. فقد سجل المغرب، على الصعيد الوطني، 160 ألفا و347 حادثة جسمانية، و4 آلاف و577 قتيلا، و10 آلاف و333 جريحا بليغا. والأخطر أن المؤشرات داخل المجال الحضري اتجهت نحو مزيد من الخطورة، حيث ارتفع عدد القتلى داخل المدن بنسبة 49,9 في المائة، وارتفع عدد الجرحى البليغين بنسبة 15,3 في المائة. وهذه الزيادة تعني أن المدينة المغربية لم تعد فضاء آمنا بما يكفي للتنقل اليومي.

المدن هي المجال الذي يفترض أن تكون فيه المراقبة أقوى، والسرعة أقل، والتشوير أوضح، وحماية الراجلين أكبر. لكن الواقع يقول شيئا آخر. ضغط السير يتزايد، الدراجات النارية تنتشر بشكل واسع، الراجلون يتحركون في فضاءات غير آمنة، وممرات العبور لا تحظى دائما بالاحترام، كما أن عددا من الشوارع تحولت إلى فضاءات مفتوحة للفوضى، بين السرعة، وعدم احترام الأسبقية، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، والمرور العشوائي، وضعف الزجر اليومي.

وليست المدن المغربية متساوية في حجم الخطر. فالدار البيضاء وحدها سجلت 27 ألفا و357 حادثة جسمانية و352 قتيلا، بما يجعلها في قلب هذا النزيف الحضري. وسجلت مراكش 140 قتيلا، وطنجة 114 قتيلا، وفاس 81 قتيلا، بينما سجلت أكادير 61 قتيلا ووجدة 53 قتيلا. هذه الأرقام تكشف أن الأمر لا يتعلق بحوادث متفرقة، بل بخريطة خطر حضري تمتد عبر كبريات المدن.

المقارنة مع فرنسا لا تهدف إلى جلد الذات، لكنها تضعنا أمام مرآة قاسية. حين تسجل حواضر المغرب وفيات أكثر من حواضر فرنسا، فذلك يعني أن هناك عطبا في منظومة الوقاية والمراقبة والتخطيط الحضري. ويعني أيضا أن حملات التحسيس وحدها لم تعد كافية، وأن البلاغات التي تعدد الأسباب لم تعد جوابا مقنعا أمام هذا الحجم من الخسائر البشرية.

صحيح أن العامل البشري حاضر بقوة في حوادث السير. هناك سائقون متهورون، و راجلون لا يحترمون قواعد العبور، و مستعملو دراجات نارية يتحركون أحيانا خارج منطق القانون. لكن تحميل المسؤولية للفرد وحده يظل قراءة ناقصة. فالسلوك الفردي يتشكل داخل بيئة حضرية: طرق، إنارة، تشوير، مراقبة، ممرات آمنة، نقل عمومي، أرصفة، كاميرات، شرطة مرور، وزجر مستمر لا موسمي.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي هو: ماذا فعلت السياسات العمومية أمام هذا النزيف؟ هل يكفي تعديل بعض المقتضيات أو إطلاق حملات ظرفية؟ هل جرى تقييم أثر الاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية على مستوى المدن؟ هل تم تحديد النقط السوداء داخل الحواضر ومعالجتها؟ وهل تملك الجماعات الترابية رؤية واضحة لتنظيم السير وحماية الراجلين ومستعملي الدراجات؟

إن حوادث السير داخل المدن المغربية تكشف خللا يتجاوز الطريق إلى طريقة تدبير المدينة. فالمدينة التي لا تحمي الراجل، ولا تضبط السرعة، ولا تنظم الدراجات النارية، ولا توفر نقلا عموميا فعالا، ولا تراقب المخالفات اليومية بصرامة، تتحول تدريجيا إلى فضاء منتج للخطر.

الأمر خطير ومقلق، لأنه يتعلق بالحق في الحياة. ولا يمكن لبلد يطمح إلى تحديث مدنه وتطوير بنياته أن يقبل بأن تتحول طرقه الحضرية إلى مصائد يومية للمواطنين. فكل قتيل داخل المدينة هو فشل في الوقاية، وفشل في التنظيم، وفشل في المراقبة، وفشل في جعل الفضاء العام آمنا.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

مفوضة الاتحاد الإفريقي المكلفة بالتنمية الاقتصادية تشيد بالمنجزات التي حققها المغرب بقيادة جلالة الملك
الإثنين 8 يونيو 2026 - 23:28

مفوضة الاتحاد الإفريقي المكلفة بالتنمية الاقتصادية تشيد بالمنجزات التي حققها المغرب بقيادة جلالة الملك

تنسيق أمني يطيح بـ 11 مبحوثا عنهم دوليا بمراكش وطنجة…
الإثنين 8 يونيو 2026 - 23:20

تنسيق أمني يطيح بـ 11 مبحوثا عنهم دوليا بمراكش وطنجة…

تطمينات طبية بشأن مزراوي والزلزولي بعد ودية النرويج.. وترقب قبل مواجهة البرازيل
الإثنين 8 يونيو 2026 - 22:30

تطمينات طبية بشأن مزراوي والزلزولي بعد ودية النرويج.. وترقب قبل مواجهة البرازيل

بوريطة يستقبل مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام جان بيير لاكروا
الإثنين 8 يونيو 2026 - 22:10

بوريطة يستقبل مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام جان بيير لاكروا

corner image
error: