كشفت نتائج الاستقصاء الشهري حول الظرفية الصناعية، الصادر عن بنك المغرب برسم شهر أبريل 2026، عن صورة مركبة للنشاط الصناعي بالمغرب، عنوانها العام هو الاستقرار، لكن تفاصيلها تكشف تفاوتا واضحا بين القطاعات. فقد ظل النشاط الصناعي، في المجمل، دون تغير كبير، مع استقرار الإنتاج والمبيعات، واستمرار معدل استخدام الطاقات الإنتاجية في حدود 78 في المائة.
هذا الرقم، في ظاهره، يوحي بقدر من التوازن داخل النسيج الصناعي. غير أن قراءة الفروع الصناعية تظهر أن الأمر يتعلق باستقرار غير متجانس. فهناك قطاعات تمكنت من تسجيل مؤشرات إيجابية، وفي مقدمتها الميكانيك والتعدين، في حين بقيت قطاعات أخرى تحت الضغط، خاصة النسيج والجلد، والصناعات الغذائية، التي أظهرت مؤشرات أقل راحة على مستوى المبيعات والطلبيات.
فرع الميكانيك والتعدين بدا الأكثر دينامية خلال أبريل. فقد سجل ارتفاعا في الإنتاج، وتحسنا في المبيعات، سواء في السوق المحلية أو الخارجية، إلى جانب تقدم في الطلبيات. كما بلغ معدل استخدام الطاقات الإنتاجية في هذا الفرع 87 في المائة، وهو مستوى يعكس حركية أقوى مقارنة بباقي الفروع. هذا الأداء يجعل القطاع في موقع متقدم داخل المشهد الصناعي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالا حول قدرة باقي الفروع على مسايرة هذا الإيقاع.
في المقابل، حمل فرع الكيمياء وشبه الكيمياء مؤشرات متناقضة. فالإنتاج تراجع، والمبيعات انخفضت بسبب تراجع الطلب الخارجي، رغم ارتفاع المبيعات في السوق المحلية. غير أن الطلبيات سجلت تحسنا، ودفاتر الطلبيات تموقعت في مستوى أعلى من العادي. هذه المفارقة تجعل القطاع في وضعية وسطى، لا هو في دائرة الانكماش الصافي، ولا هو في موقع الانتعاش الكامل. إنه قطاع ينتظر تأكيد الاتجاه خلال الأشهر المقبلة.
أما الصناعات الغذائية، فقد سجلت استقرارا في الإنتاج، لكنها عرفت تراجعا في المبيعات، خاصة في السوق المحلية، مقابل ارتفاع الصادرات. كما تراجعت الطلبيات، واستقرت دفاترها في مستوى أقل من العادي. هذه المؤشرات تستحق التوقف عندها، لأن الصناعات الغذائية ترتبط مباشرة بالاستهلاك الداخلي وبقدرة الأسر على الإنفاق. وحين يتراجع الطلب المحلي في قطاع بهذه الحساسية، فإن الأمر لا يمكن فصله عن سؤال القدرة الشرائية وكلفة المعيشة.
الوضع الأكثر هشاشة يظهر في فرع النسيج والجلد. فقد تراجع الإنتاج والمبيعات في معظم الفروع الفرعية، باستثناء صناعة الجلد والأحذية التي سجلت بعض التحسن. كما انخفضت المبيعات في السوقين المحلية والخارجية، وتراجعت الطلبيات، وظلت دفاترها في مستوى أدنى من العادي. ويزيد من دلالة هذه المؤشرات أن أكثر من نصف المقاولات في هذا القطاع تعبر عن عدم وضوح الرؤية بشأن تطور الإنتاج والمبيعات خلال المرحلة المقبلة.
تكشف هذه المعطيات أن الصناعة المغربية لا تتحرك كتلة واحدة. هناك قطاعات تربح بعض المواقع، وأخرى تكتفي بالمقاومة، وثالثة تبحث عن نفس جديد. الاستقرار العام، بهذا المعنى، لا يجب أن يحجب الفوارق الداخلية، لأن قوة الصناعة لا تقاس فقط بالمعدل الإجمالي، بل بقدرة مختلف فروعها على خلق الطلب، الحفاظ على التشغيل، وتحسين تنافسيتها في السوقين الداخلية والخارجية.
وتشير توقعات الصناعيين للأشهر الثلاثة المقبلة إلى نوع من التفاؤل الحذر. فالمقاولات تتوقع ارتفاع الإنتاج والمبيعات في أغلب الفروع، باستثناء النسيج والجلد، حيث ينتظر الفاعلون انخفاض الإنتاج واستقرار المبيعات. غير أن هذا التفاؤل يبقى محدودا بفعل استمرار حالة عدم اليقين، إذ إن نسبة مهمة من المقاولات لا تملك رؤية واضحة بشأن تطور النشاط في المدى القريب.
في النهاية، يقدم استقصاء بنك المغرب رسالة مزدوجة. الصناعة لم تدخل مرحلة تراجع عام، لكنها لم تبلغ أيضا مستوى انتعاش واسع ومتوازن. هناك قطاعات تدفع المؤشرات إلى الأعلى، وقطاعات أخرى تكشف أن الطريق نحو صناعة قوية ومندمجة ما يزال يحتاج إلى نفس أطول، وإلى سياسات أكثر دقة في دعم الطلب، تحسين التنافسية، ومواكبة الفروع الأكثر هشاشة.










تعليقات
0