تكشف المعطيات المنشورة على منصة “ماء ديالنا” التابعة لوزارة التجهيز والماء، عن وضعية مائية تحمل مؤشرات تحسن نسبي على مستوى السدود، مقابل استمرار ضغوط واضحة على عدد من الفرشات المائية الجوفية، خاصة في الأحواض التي تأثرت بتوالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الموارد المائية.
فإلى غاية 8 يونيو 2026، بلغت الموارد المائية المتوفرة على الصعيد الوطني حوالي 12,8 مليار متر مكعب، فيما وصلت نسبة ملء السدود إلى 75,3 في المائة. غير أن هذا المعدل الوطني، رغم أهميته، لا يعكس بشكل كامل التفاوتات المسجلة بين الأحواض والمنشآت المائية، حيث تختلف الوضعية من سد إلى آخر تبعا للتساقطات، وحجم الواردات، وطبيعة الاستعمالات المرتبطة بكل حوض.
وتظهر الأرقام أن عددا من السدود سجل مستويات ملء مرتفعة، من بينها سد للا تاكركوست بنسبة 96 في المائة، وسد سيدي محمد بن عبد الله بنسبة 87 في المائة، في حين لم تتجاوز نسبة ملء سد المنصور الذهبي 42 في المائة. ويبرز هذا التباين أن قراءة الوضعية المائية لا يمكن أن تستند إلى المؤشر العام وحده، بل تستدعي تتبعا دقيقا لكل حوض مائي على حدة.
وبقدر ما تعطي حقينة السدود مؤشرا إيجابيا على تحسن التخزين السطحي، فإن وضعية المياه الجوفية تظل أكثر حساسية. ففي حوض درعة واد نون، سجلت بعض الفرشات تراجعات لافتة خلال السنوات الأخيرة؛ إذ انخفض مستوى فرشة درعة العليا بمعدل 0,42 متر بين 2019 ودجنبر 2025، وفرشة طاطا بـ1,15 متر خلال الفترة نفسها، بينما بلغ التراجع في فرشة درعة الوسطى 5,5 أمتار بين 2021 ودجنبر 2025. أما فرشة كلميم فسجلت انخفاضا أكبر بلغ 7,74 أمتار بين 2019 ودجنبر 2025.
وتؤكد هذه الأرقام أن عددا من المناطق، خصوصا ذات المناخ الجاف وشبه الجاف، تواجه ضغطا متزايدا على المخزون الجوفي، ما يجعل تدبير الطلب على الماء وحماية الفرشات المائية أولوية لا تقل أهمية عن تعبئة الموارد السطحية. فالماء الجوفي لا يمثل فقط موردا احتياطيا، بل يشكل في عدد من المجالات الترابية المصدر الأساسي للتزويد بالماء الشروب والسقي والأنشطة الاقتصادية.
وفي حوض أم الربيع، تطرح المعطيات بعدا آخر يتعلق بجودة المياه. فقد أنجزت وكالة الحوض المائي خلال سنة 2024 ما مجموعه 7324 تحليلا عبر شبكة تضم 95 محطة مراقبة، بكلفة بلغت 0,77 مليون درهم. وأظهرت النتائج أن جودة مياه السدود تتراوح بين الحسنة والجيدة، بينما سجلت بعض المقاطع المائية السطحية جودة متدنية، خاصة قرب مصبات تصريف المياه العادمة في بعض المناطق الحضرية.
أما بالنسبة للمياه الجوفية بالحوض ذاته، فتتراوح جودة فرشات بني موسى وسافلة تساوت بين المتوسطة والجيدة، في حين صنفت جودة فرشات بني عمير والبحيرة والساحل دكالة ضمن المستوى الرديء. ويعكس ذلك أن إشكالية الماء لا ترتبط فقط بندرة المورد، بل تمتد أيضا إلى جودة المياه ومدى قابليتها للاستعمال الآمن والمستدام.
وفي مقابل هذه المؤشرات، تبرز جهود استكشاف وتعبئة موارد إضافية في عدة أحواض. ففي حوض اللكوس، أنجزت وكالة الحوض المائي خلال سنة 2024 حملة شملت 51 ثقبا استكشافيا موزعة على 15 جماعة ترابية، بعمق إجمالي بلغ 5640 مترا، وبتكلفة قدرها 3,8 ملايين درهم. وأسفرت العملية عن 32 ثقبا إيجابيا، بنسبة نجاح تفوق 62 في المائة، وبصبيب إجمالي بلغ 122 لترا في الثانية.
كما سجل حوض تانسيفت إنجاز ستة آبار استكشافية لفائدة ستة تجمعات سكنية، بطول إجمالي بلغ 150 مترا، وبصبيب يقارب 14 لترا في الثانية، فيما بلغت كلفة الأشغال مليون درهم. وفي حوض سوس ماسة، تم رصد 11,2 مليون درهم لتعبئة مياه الأمطار، إضافة إلى 169 ألف درهم لتتبع إنجاز المطفيات، في توجه يروم دعم الحلول المحلية بالمناطق الجبلية وضعيفة الموارد الجوفية.
وتبرز مجمل هذه المعطيات أن المغرب يعيش وضعية مائية مزدوجة: تحسن ملحوظ في التخزين السطحي على المستوى الوطني، يقابله استمرار ضغط بنيوي على المياه الجوفية وتفاوت في جودة الموارد بين الأحواض. وهي وضعية تجعل من التتبع الدقيق، وترشيد الاستعمال، وحماية الفرشات، وتوسيع تعبئة الموارد غير التقليدية، عناصر حاسمة في تدبير المرحلة المقبلة.
فالمؤشر الوطني لحقينة السدود، مهما بدا مطمئنا، لا يكفي وحده للحكم على الأمن المائي. ذلك أن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة كل حوض مائي على الحفاظ على توازنه، بين ما يتلقاه من واردات، وما يستهلكه من موارد، وما يحتاجه من حماية واستثمارات لضمان استدامة الماء في مواجهة تقلبات المناخ واتساع الطلب.










تعليقات
0