ليس أخطر ما قاله محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن الرقم 3003 المخصص للتبليغ عن الفساد لم يتلق سوى اتصالين منذ إحداثه. الأخطر هو ما جاء بعد ذلك في تصريحه، حين بدا كأن جزءا من تفسير ضعف التبليغ يُرمى في حضن المواطن، وكأن المغاربة لا يبلغون عن الفساد إلا حين تفشل مصالحهم أو حين لا يحصلون على منفعة شخصية.
هنا أطرح السؤال والسؤال حق مشروع..فعلا، لماذا لم برن الهاتف طيلة هذه الفترة إلا مرتين؟
هكذا اكتشفنا أننا نتوفر على رقم رسمي لمحاربة الفساد لا يرن إلا مرتين، في بلد لا يكاد يخلو فيه حديث الناس اليومي من شكاوى الرشوة، والوساطة، والابتزاز، واستغلال النفوذ، وتعقيد المساطر، وروائح المال والمحسوبية في بعض المرافق والفضاءات التي يفترض أن تكون محصنة ضد الشبهات.
نحن إذن أمام مؤشر صادم. لكنه لا يسمح، بأي حال، بالقفز بسرعة ولو بالإيحاء إلى استنتاج ضمني مفاده أن المواطن متواطئ أو انتهازي أو لا يتحرك إلا عندما يخسر نصيبه من الفساد.
حين لا يتصل المواطنون برقم رسمي، فالجواب الأول لا ينبغي أن يكون اتهامهم في نياتهم، بل مساءلة المؤسسة عن الثقة التي صنعتها، أو فشلت في صناعتها. فهل يعرف المواطنون هذا الرقم فعلا؟ و هل جرى تسويقه بما يكفي؟ و هل يثق الناس أن التبليغ سيقود إلى نتيجة؟ ثم هل يطمئنون إلى أن هويتهم ستبقى محمية؟ هل رأوا، في الواقع، أن من يبلغ عن الفساد يصبح محميا لا معزولا، محترما لا مشبوها، مسنودا لا متروكا وحده أمام من يملكون السلطة والنفوذ والشبكات؟
اتصالان فقط ليسا دليلا على أن المغاربة لا يريدون محاربة الفساد. اتصالان فقط قد يكونان دليلا على أن المغاربة لا يثقون في الطريق المعلن لمحاربة الفساد، وهذا فرق جوهري.
المواطن المغربي ليس في حاجة إلى درس أخلاقي جديد حول خطورة الرشوة. هو يعرفها جيدا. يراها. يشتكي منها. يدفع كلفتها. أحيانا في الإدارة، وأحيانا في الصحة، وأحيانا في الاستثمار، وأحيانا في أبسط خدمة يفترض أنها حق. لكنه تعلم، عبر سنوات طويلة، أن الشكاية ليست دائما طريقا آمنا، وأن مواجهة الفساد ليست نزهة، وأن من يرفع صوته قد يجد نفسه وحده في مواجهة منظومة تعرف كيف تحمي نفسها.
لذلك، حين يسمع المواطن أن الرقم لم يتلق إلا اتصالين، قد لا يفاجأ كثيرا. المفاجأة الحقيقية أن نطلب منه أن يثق بسرعة في آلية لم تتحول بعد، في نظره، إلى ضمانة ملموسة. الثقة لا تُصنع بالإعلان عن رقم. الثقة تُصنع بالنتائج، وبالملفات التي تصل إلى نهايتها، وبالمسؤولين الذين يحاسبون، و بالمبلغين الذين لا يدفعون ثمن شجاعتهم.
أما القول إن بعض المواطنين لا يبلغون إلا بعد فشل عملية الفساد أو ضياع المنفعة، فهو كلام يحمل قدرا من الحقيقة في حالات معينة، لكنه يصبح قاسيا وخطيرا حين يقدم كمدخل عام لفهم عزوف المغاربة عن التبليغ.
نعم، توجد انتهازية. نعم، هناك من يدين الفساد حين لا يستفيد منه، ويبرره حين يخدم مصلحته. هذا واقع لا يجب إنكاره. لكن تحويل هذا الواقع الجزئي إلى تفسير شبه عام يظلم مجتمعا كاملا، ويزيح النقاش من مسؤولية المؤسسات إلى أخلاق المواطنين.
محاربة الفساد لا تبدأ باتهام الناس. تبدأ بالاعتراف أن الفساد، حين يستمر، يصبح أقوى من الفرد. المواطن البسيط لا يواجه شخصا واحدا فقط، بل يواجه أحيانا شبكة مصالح، وخوفا من الانتقام، وتعقيدا في الإثبات، وبطئا في المساطر، وشعورا قديما بأن “لا شيء سيقع”. فهل نلومه لأنه لم يتصل؟ أم نلوم منظومة لم تقنعه بعد بأن الاتصال سيغير شيئا؟
الرقم 3003، كما قدمه بنعليلو، كشف ضعف التبليغ. كشف قبل ذلك ضعف الجسر بين الهيئة والمواطنين. وكشف أن الخطاب الرسمي حول محاربة الفساد ما زال عاجزا عن اختراق جدار الشك وهو ما جعل بنعليلو يعلن بأن الهيئة لا يمكنها الاشتغال بشكل منفرد، بل تحتاج إلى تعاون مختلف مكونات المجتمع، من مجتمع مدني وقضاء وأمن وإدارة وإعلام، مؤكدا أن التجارب الناجحة في مجال مكافحة الفساد تقوم على برامج توعية وانخراط جماعي فالمغاربة لا يحتاجون إلى من يقول لهم إن التبليغ عمل وطني. يحتاجون إلى من يثبت لهم أن التبليغ لن يتحول إلى مغامرة شخصية.
ثم إن محاربة الفساد لا يمكن أن تختزل في المواطن المبلّغ والهيئة لوحدها. أين الإدارة؟ أين التفتيش؟ أين ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ أين التصريح بالممتلكات؟ أين تتبع تضارب المصالح؟ أين الصفقات العمومية؟ أين القطاعات الأكثر عرضة للرشوة؟ أين نشر المعطيات التي تسمح للرأي العام بأن يرى، لا أن يسمع فقط، أن هناك معركة حقيقية ضد الفساد؟
حين يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في دورة الفساد، لا يصح أن نحمله وحده عبء كسرها. وحين يكون الخوف أكبر من الثقة، لا يكفي أن نرفع رقما هاتفيا وننتظر أن يرن.
المطلوب اليوم ليس فقط وصلات تلفزية للتعريف بـ 3003. المطلوب جواب سياسي ومؤسساتي واضح: لماذا لا يثق الناس في آليات التبليغ؟ ولماذا يخافون؟ وماذا وقع في الملفات التي سبق التبليغ عنها؟ وكيف حُمي المبلغون؟
وما الضمانات العملية، لا النظرية، التي تجعل المواطن يقتنع بأن الدولة ستكون معه لا عليه؟
أما المغاربة، فليسوا ملائكة. فيهم من يرفض الفساد، وفيهم من يتعايش معه، وفيهم من يستفيد منه، وفيهم من يسكت عنه خوفا أو مصلحة أو يأسا. لكن اختزال العزوف عن التبليغ في شبهة التواطؤ أو الانتقام بعد فشل المنفعة، فيه ظلم كبير. لأن كثيرا من الصامتين ليسوا فاسدين، بل خائفون. وكثيرا من المترددين ليسوا متواطئين، بل فاقدو ثقة.
لذلك، فالمشكل ليس أن المغاربة لا يتصلون. المشكل أن الهاتف، قبل أن يرن، يحتاج إلى ثقة. والثقة لا تمنحها الوصلات التحسيسية، بل تمنحها المحاسبة. أما أن نضع رقما لا يرن، ثم نلمح إلى أن الناس لا يبلغون إلا حين تفشل مصالحهم، فذلك يضيف إلى أزمة الفساد أزمة أخرى: أزمة فهم المجتمع الذي نطلب منه أن يكون شريكا في محاربة الفساد.










تعليقات
0