الواردات تبتلع مكاسب الصادرات.. عجز تجاري مغربي بـ127 مليار درهم رغم صعود السيارات والطيران

الواردات تبتلع مكاسب الصادرات.. عجز تجاري مغربي بـ127 مليار درهم رغم صعود السيارات والطيران
الواردات تبتلع مكاسب الصادرات.. عجز تجاري مغربي بـ127 مليار درهم رغم صعود السيارات والطيران
محمد المنتصر السبت 20 يونيو 2026 - 01:00 l عدد الزيارات : 3635

تكشف معطيات التجارة الخارجية برسم الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 عن مفارقة اقتصادية لافتة: المغرب يصدّر أكثر، لكنه يستورد بوتيرة أسرع. فقد ارتفعت الصادرات الإجمالية بنسبة 8,7 في المائة لتبلغ 168,9 مليار درهم، غير أن هذا الأداء لم يكن كافيا لمجاراة الواردات التي زادت بنسبة أقوى بلغت 12,7 في المائة، مستقرة عند 295,9 مليار درهم. والنتيجة أن العجز التجاري اتسع بنسبة 18,4 في المائة، ليبلغ 127 مليار درهم، مقابل 107,3 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.

هذا التطور يكشف أن بنية المبادلات الخارجية ما تزال محكومة بضغط قوي للواردات، سواء تعلق الأمر بمنتجات التجهيز أو الاستهلاك أو الطاقة. فمعدل التغطية، الذي يقيس نسبة الصادرات إلى الواردات، تراجع إلى 57,1 في المائة بدل 59,1 في المائة، وهو مؤشر دال على أن كل تحسن في المبيعات الخارجية لا يتحول تلقائيا إلى تقليص للعجز ما دامت الواردات تتحرك بسرعة أكبر.

من يخشى عودة لاسامير؟ “الشناقة وأصحاب اللعاقة” يجهزون على القدرة الشرائية للمغاربة
اقرأ المزيد

في قلب هذا المشهد، تواصل صناعة السيارات تأكيد موقعها كأول قاطرة للصادرات المغربية. فقد ارتفعت مبيعات هذا القطاع في الخارج بنسبة 18,6 في المائة، لتبلغ 58,3 مليار درهم، وهو رقم يعكس استمرار تحول المغرب إلى منصة صناعية وتصديرية في سلاسل القيمة المرتبطة بالسيارات. ويعود هذا الأداء، بالأساس، إلى ارتفاع صادرات فرع البناء بنسبة 33,5 في المائة إلى 23,9 مليار درهم، إضافة إلى نمو فرع الكابلاج بنسبة 16,1 في المائة إلى 22,1 مليار درهم.

اقتصاديا، يحمل هذا التطور أكثر من دلالة. فهو يؤكد أن قطاع السيارات لم يعد مجرد نشاط تجميعي محدود الأثر، بل أصبح أحد أعمدة الميزان التجاري ومصدرا أساسيا للعملة الصعبة. غير أن استمرار الاعتماد القوي على مدخلات مستوردة داخل سلاسل الإنتاج يفرض قراءة حذرة للأرقام، لأن القيمة الإجمالية للصادرات لا تكشف وحدها حجم القيمة المضافة المحلية. التحدي الحقيقي يتمثل في تعميق الاندماج الصناعي، وتوسيع قاعدة المناولة الوطنية، ورفع حصة المكونات المنتجة محليا داخل السيارات المصدرة.

وبموازاة السيارات، يواصل قطاع الطيران تثبيت موقعه ضمن القطاعات الصاعدة في الصادرات المغربية. فقد بلغت صادراته 11 مليار درهم، بارتفاع قدره 15,9 في المائة، مدفوعة أساسا بنمو فرع التجميع بنسبة 20,7 في المائة إلى 7,5 مليار درهم. وهذا الأداء يؤكد أن الصناعة الجوية بالمغرب باتت تكتسب موقعا مستقرا داخل المنظومة التصديرية، مستفيدة من التخصص الصناعي، ومن تموقع المملكة داخل شبكات إنتاج دولية عالية القيمة.

غير أن قوة السيارات والطيران لم تمنع بروز نقطة ضعف في قطاع تقليدي استراتيجي، هو الفوسفاط ومشتقاته. فقد تراجعت صادرات هذا القطاع بنسبة 1,5 في المائة إلى 27,1 مليار درهم، في وقت كان يفترض فيه أن يساعد ارتفاع الأسعار على تحسين المداخيل. وتظهر التفاصيل أن صادرات الأسمدة الطبيعية والكيميائية انخفضت بنسبة 3,9 في المائة إلى 19,3 مليار درهم، نتيجة تراجع الكميات المصدرة بنسبة 12,2 في المائة، رغم ارتفاع الأسعار بنسبة 9,4 في المائة.

هذا المعطى يوضح أن السعر وحده لا يكفي لدعم الصادرات عندما تتراجع الكميات. وفي حالة الفوسفاط ومشتقاته، يتعلق الأمر بقطاع له وزن خاص في الاقتصاد الوطني، ليس فقط باعتباره مصدرا للعملة الصعبة، ولكن أيضا بحكم ارتباطه بالأسواق العالمية للغذاء والأسمدة. لذلك فإن أي تراجع في الكميات المصدرة ينعكس مباشرة على الأداء العام للصادرات، خصوصا عندما يتزامن مع ارتفاع قوي للواردات.

وتزداد الصورة وضوحا عند النظر إلى جانب الواردات. فارتفاع واردات منتجات التجهيز بنسبة 21,8 في المائة إلى 72,6 مليار درهم قد يحمل، من جهة، مؤشرا على دينامية استثمارية، لكنه يضغط، من جهة أخرى، على الميزان التجاري في الأمد القصير. كما أن واردات منتجات الاستهلاك ارتفعت بنسبة 15,2 في المائة إلى 73 مليار درهم، في حين زادت الفاتورة الطاقية بنسبة 12 في المائة إلى 41,8 مليار درهم. هذه العناصر الثلاثة تفسر جانبا كبيرا من اتساع العجز، وتبرز أن التحكم في اختلال الميزان التجاري لا يرتبط فقط برفع الصادرات، بل أيضا بقدرة الاقتصاد الوطني على تقليص التبعية لبعض الواردات أو تعويض جزء منها بإنتاج محلي تنافسي.

من زاوية اقتصادية أوسع، تؤكد هذه الأرقام أن المغرب يحقق تقدما واضحا في قطاعات تصديرية حديثة، خاصة السيارات والطيران، لكنه لا يزال يواجه اختلالا بنيويا في التجارة الخارجية. فالاقتصاد الوطني أصبح قادرا على إنتاج وتصدير سلع صناعية ذات حضور دولي، غير أن الطلب الداخلي والاستثمار والاستهلاك والطاقة يواصلون تغذية فاتورة واردات مرتفعة. لذلك، فإن السؤال المركزي لم يعد هو ما إذا كانت الصادرات ترتفع، بل هل ترتفع بما يكفي، وبقيمة مضافة محلية كافية، وبسرعة تتجاوز نمو الواردات؟

الجواب، وفق أرقام الأشهر الأربعة الأولى من 2026، لا يزال يميل إلى الحذر. فالصادرات تتحرك في الاتجاه الصحيح، لكن الواردات تسبقها. والسيارات والطيران يمنحان الاقتصاد المغربي نقاط قوة واضحة، بينما يذكر تراجع الفوسفاط ومشتقاته بأن الرهان التصديري لا يحتمل الاتكال على قطاع واحد أو ظرفية أسعار دولية. المطلوب، اقتصاديا، هو جيل جديد من السياسة الصناعية والتجارية، يربط بين التصدير، تعميق التصنيع المحلي، تقليص الواردات غير الضرورية، وتحسين القيمة المضافة الوطنية داخل سلاسل الإنتاج.

بهذا المعنى، فإن اتساع العجز التجاري إلى 127 مليار درهم ليس مجرد رقم سلبي في جدول الحسابات الخارجية، بل رسالة اقتصادية واضحة: المغرب يربح مواقع في بعض الصناعات العالمية، لكنه يحتاج إلى تسريع التحول الإنتاجي الداخلي حتى لا تبقى كل قفزة في الصادرات مرفوقة بقفزة أكبر في الواردات.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الدرهم يعزز مكاسبه أمام الدولار والمؤشر الرئيسي للبورصة يرتفع بـ3,5%
السبت 20 يونيو 2026 - 02:10

الدرهم يعزز مكاسبه أمام الدولار والمؤشر الرئيسي للبورصة يرتفع بـ3,5%

صيباري يسجل أسرع هدف عربي في تاريخ المونديال وهذه أسرع 10 أهداف في تاريخ كأس العالم
السبت 20 يونيو 2026 - 01:14

صيباري يسجل أسرع هدف عربي في تاريخ المونديال وهذه أسرع 10 أهداف في تاريخ كأس العالم

 المغرب يهزم اسكتلندا بهدف الصيباري ويقطع خطوة ثمينة نحو الدور المقبل
السبت 20 يونيو 2026 - 01:06

 المغرب يهزم اسكتلندا بهدف الصيباري ويقطع خطوة ثمينة نحو الدور المقبل

السغروشني: حماية المعطيات الشخصية رافعة ضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي
السبت 20 يونيو 2026 - 00:42

السغروشني: حماية المعطيات الشخصية رافعة ضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي

corner image
error: