بيني وبين حزيران هذا الوطن..

بيني وبين حزيران هذا الوطن..
بيني وبين حزيران هذا الوطن..
محمد الطالبي السبت 20 يونيو 2026 - 19:47 l عدد الزيارات : 3226

هرمت يا وطني.
ما زلت أسمع وقع الأقدام وهي تعبر الشوارع بثقة الذين آمنوا أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس، وأن الوطن يستحق أكثر مما كان عليه. ما زلت أرى وجوه الشباب الذين خرجوا بلا حسابات ضيقة ولا مصالح شخصية، حاملين حلماً بسيطاً وعظيماً في الآن نفسه: الحرية والكرامة والعدالة.
مرت سنوات كثيرة منذ ذلك اليوم.
تغيرت الوجوه والمواقع والتحالفات.
واختفى كثير من الذين كانوا يملؤون الساحات شعارات وخطابات.
لكن الأسئلة التي خرجت إلى الشارع يومها ما تزال حية، لأنها لم تكن أسئلة لحظة عابرة، بل أسئلة وطن بأكمله.
كان عشرون يونيو لحظة صدق نادرة بين المغاربة ووطنهم. لحظة قرر فيها جيل كامل أن يرفع صوته، لا ضد الوطن، بل من أجل وطن أجمل وأكثر عدلاً وإنصافاً. كان إعلاناً جماعياً بأن حب الوطن لا يعني الصمت عن أعطابه، وأن الوفاء له يقتضي الدفاع عن حقه في الإصلاح والتقدم.
واليوم، يحاول البعض التعامل مع تلك المرحلة وكأنها تفصيل عابر في التاريخ. يحاولون محوها من الذاكرة الجماعية، أو اختزالها في روايات مشوهة، أو تقديمها للأجيال الجديدة باعتبارها حدثاً بلا معنى ولا أثر.
الخزي والعار لمن كلفوا أنفسهم مهمة محو الذاكرة.
الخزي والعار لمن وضعوا أنفسهم خارج مسار عشرين يونيو، ثم حاولوا الادعاء أنهم أصحاب الرواية الوحيدة.
الخزي والعار لمن يعتقدون أن التاريخ يُلغى بقرار، أو أن التضحيات تُمحى بالتجاهل، أو أن النسيان يمكن أن يصبح فضيلة وطنية.
والخزي والعار لمن جعلوا من التضليل مشروعاً سياسياً مربحاً ومستداماً.
لكن الذاكرة أقوى من كل ذلك.
فالذين عاشوا تلك الأيام يعرفون أن ما جرى لم يكن نزوة عابرة، ولم يكن وهماً جماعياً، بل كان تعبيراً صادقاً عن توق شعب إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
قد يخفت صدى الشعارات.
وقد تتغير الظروف.
لكن الأسئلة الكبرى لا تموت.
أسئلة الفساد والريع.
أسئلة العدالة الاجتماعية.
أسئلة المساواة والحرية.
وأسئلة الديمقراطية التي لا تختزل في الأرقام وحدها، بل في المعنى الذي تمنحه لحياة الناس.
لقد اختار البعض أن يكونوا شهود زور على الذاكرة، بينما اختار آخرون أن يظلوا أوفياء للحقيقة مهما كانت الكلفة. ولذلك ستبقى الذاكرة تميز بين من حمل الوطن في قلبه ومن حمله على لسانه فقط، وبين من دفع الثمن ومن اكتفى باقتسام الغنائم، ومن سجلوا الوطن في حسابات بنكية ورسوم عقارية وامتيازات عابرة.
المجد لكل الذين بقوا أوفياء لما آمنوا به.
المجد لكل الذين حملوا الحلم المغربي في سنوات الأمل والانكسار معاً.
والمجد للراحل المناضل علال ثبات، الذي ظل اسمه مرتبطاً بذاكرة النضال الديمقراطي، وجعل من حزيران موعداً للشهادة على زمن التضحيات والمواقف الصعبة، لا على زمن التبرير والنسيان.
سيبقى علال ثبات حاضراً في ذاكرة المناضلين، وسيشهد حزيران للأبد.
سيشهد من ناضل ومن صمت.
ومن ضحى ومن استفاد.
ومن بقي وفياً للحلم حتى النهاية.
أما الذين راهنوا على النسيان، فسيكتشفون متأخرين أن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت، وأن التاريخ قد يتعرض للتشويه لكنه لا يُهزم.
فالأوطان تشبه الحب الكبير؛ قد تتعب، وقد تجرحها الخيبات، وقد يطول انتظارها للذين يوفون بوعودهم، لكنها لا تكف عن استدعاء أبنائها إلى الحلم.
والوطن الذي أحببناه في عشرين يونيو لم يكن شعاراً عابراً ولا موعداً في الروزنامة، بل كان وعداً مفتوحاً مع المستقبل، وعهداً بين أجيال متعاقبة بأن الحرية لا تُورث جاهزة، وأن الكرامة لا تُمنح هبة، وأن الديمقراطية ليست محطة وصول بل طريقاً طويلاً من الصبر والتضحيات.
ولهذا ما زلنا هناك…
في ذلك الموعد البعيد القريب.
نحرس الذاكرة من النسيان.
ونحرس الحلم من الانكسار.
وننتظر مع القادمين الجدد ربيعاً يليق بهذا الوطن.
أما الشباب، فلهم الكلمة الأخيرة.
هم الذين يأتون دائماً حين يظن البعض أن التاريخ انتهى، وحين يتوهم آخرون أن الذاكرة ماتت، وحين يعتقد أصحاب الامتيازات أن الوطن صار ملكاً خاصاً يورث كما تورث الحسابات البنكية والعقارات والامتيازات.
هم حركة الأمس وحركات الغد.
هم الذين يعيدون للأسئلة الكبرى معناها كلما حاول أحد دفنها تحت ركام الدعاية والنسيان.
سيأتون بأسماء جديدة ووجوه جديدة وأحلام جديدة، لكنهم سيحملون المعنى نفسه: معنى الحرية والكرامة والعدالة.
سيأتون مزهرين، طريين كأغصان الربيع الأولى، حاملين عبق الحرية ورائحة الوطن كما يجب أن يكون، لا كما يراد له أن يكون.
وعندها سيدرك الذين راهنوا على النسيان أن الأوطان لا تشيخ ما دام فيها شباب يحلمون، ولا تموت ما دام فيها من يرفع صوته دفاعاً عن الحقيقة.
هرمت يا وطني…
لكن الحلم لم يهرم.

قروض المغاربة المتعثرة الأداء تتجاوز 103 مليارات درهم إلى غاية متم أبريل الماضي
اقرأ المزيد

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

رقم قياسي لفريق إفريقي في المونديال .. المنتخب المغربي قدم 601 تمريرة ناجحة أمام اسكتلندا 
السبت 20 يونيو 2026 - 21:45

رقم قياسي لفريق إفريقي في المونديال .. المنتخب المغربي قدم 601 تمريرة ناجحة أمام اسكتلندا 

منتدى مراكش البرلماني.. إبراز دور المقاولات الصغرى والمتوسطة والشركات الناشئة في تعزيز الابتكار وتشغيل الشباب
السبت 20 يونيو 2026 - 21:35

منتدى مراكش البرلماني.. إبراز دور المقاولات الصغرى والمتوسطة والشركات الناشئة في تعزيز الابتكار وتشغيل الشباب

 هولندا تسحق السويد  وتقطع شوطا كبيرا نحو دور الـ 32 
السبت 20 يونيو 2026 - 21:05

 هولندا تسحق السويد وتقطع شوطا كبيرا نحو دور الـ 32 

 تعيين المغربي جلال جيد حكما لمباراة البرتغال وأوزبكستان
السبت 20 يونيو 2026 - 20:51

 تعيين المغربي جلال جيد حكما لمباراة البرتغال وأوزبكستان

corner image
error: