أظهرت معطيات المديرية العامة للضرائب أن المداخيل التلقائية بلغت، خلال سنة 2025، ما يفوق 274 مليار درهم، أي ما يمثل 93 في المائة من مجموع المداخيل الجبائية الخام. ويعد هذا المؤشر واحدا من أهم مفاتيح قراءة التحول الجاري داخل المنظومة الجبائية، لأنه يكشف مستوى الامتثال الطوعي لدى الملزمين.
فالامتثال الطوعي لا يعني فقط أن الملزم يؤدي ما بذمته داخل الآجال، بل يعني أن العلاقة بين الإدارة والمواطن أو المقاولة تتحول تدريجيا من علاقة خوف ومراقبة إلى علاقة وضوح وثقة ومسؤولية. وكلما ارتفعت المداخيل التلقائية، تراجع الاعتماد على التحصيل القسري والمنازعات المكلفة.
ويبدو أن الرقمنة لعبت دورا رئيسيا في هذا المسار. فارتفاع عدد المنخرطين في الخدمات الإلكترونية، وتوسع التصريح والأداء عن بعد، وتزايد حصة المداخيل المؤداة إلكترونيا إلى أكثر من 91 في المائة، كلها عناصر تجعل الالتزام الضريبي أسهل وأسرع وأقل احتكاكا بالإدارة.
لكن الامتثال الطوعي لا يبنى بالرقمنة وحدها. فهو يحتاج أيضا إلى عدالة ضريبية محسوسة، وإلى قواعد واضحة، وإلى تبسيط المساطر، وإلى شعور عام بأن العبء الضريبي موزع بشكل منصف بين الأجراء والمقاولات والمهنيين والأنشطة غير المهيكلة.
ومن هنا، فإن الرقم المسجل سنة 2025 إيجابي من الناحية الإدارية والمالية، لكنه لا يغلق النقاش حول الثقافة الجبائية. فالمواطن لا يقيس الضريبة فقط بما يؤديه، بل بما يلمسه من خدمات عمومية، وبما يراه من إنصاف في محاربة التهرب والغش والامتيازات غير المبررة.
وتكمن قيمة هذا المؤشر في أنه يضع الإدارة الضريبية أمام رهان جديد: الحفاظ على مستوى مرتفع من الامتثال، ليس فقط عبر الأدوات التقنية، بل عبر ترسيخ الثقة، وتحسين التواصل، وتكريس مبدأ أن الضريبة مساهمة في تمويل الصالح العام وليست مجرد اقتطاع مالي.










تعليقات
0