ليس المطلوب أن نتعامل مع ما يجري في بعض مصانع الكابلاج بمدينة طنجة بمنطق الإثارة أو التهويل، ولا أن نختزل الأمر في مجرد عروض تشغيل متزايدة تبحث عن يد عاملة جديدة. فخلف كل إعلان عن منصب شاغر، وخلف كل مغادرة صامتة لخط إنتاج، توجد حكاية عامل أو عاملة، وظروف اشتغال، وانتظارات اجتماعية، وسؤال أوسع عن معنى الشغل اللائق داخل منظومة صناعية تراهن على التنافسية والسرعة والانضباط.
خلال الأيام الأخيرة، جرى تداول واسع لأخبار تتحدث عن مغادرات متزايدة داخل عدد من وحدات الكابلاج بطنجة، وصلت في بعض الصياغات الإعلامية إلى حد وصفها بـ“الهروب الجماعي”. وهو توصيف يحتاج، بطبيعة الحال، إلى كثير من الحذر، لأن تحويل الانطباعات إلى حقائق نهائية دون أرقام رسمية أو معطيات موثقة قد يظلم الواقع بقدر ما قد يظلم العمال والمقاولات معا. لكن الحذر في استعمال الكلمات لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهل للرسالة التي يبعث بها هذا النقاش: هناك خصاص واضح في اليد العاملة، وهناك توظيف مكثف، وهناك، في المقابل، سؤال اجتماعي لا يمكن القفز عليه.
فقطاع الكابلاج ليس قطاعا هامشيا في النسيج الصناعي بطنجة. إنه جزء أساسي من منظومة صناعة السيارات التي راهن عليها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وقدمها كنموذج لجاذبية الاستثمار، وربطها بالتصدير، وبالاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية. غير أن هذه المنظومة، مهما بلغت درجة تنظيمها التقني، تظل في النهاية قائمة على عنصر بشري يشتغل لساعات طويلة، داخل فضاءات إنتاج تتطلب الدقة والانضباط والسرعة، وتخضع لضغط آجال التسليم وحسابات الكلفة والتنافسية.
ومن هنا تحديدا، لا يمكن قراءة حملات التوظيف المتتالية بمعزل عن سؤال الاستقرار المهني. فحين تحتاج المقاولات إلى البحث الدائم عن مستخدمين جدد، وحين تصبح المغادرة المتكررة جزءا من المشهد، فذلك يعني أن هناك خللا ما يستحق الإنصات. قد يكون الأمر مرتبطا بتوسع النشاط الصناعي وارتفاع الطلب، وقد يكون مرتبطا بإيقاع العمل، أو بالأجور، أو بالنقل، أو بضعف التحفيز، أو بشعور جزء من اليد العاملة بأن المصنع ليس أفقا مهنيا مستقرا، بل محطة مؤقتة في انتظار فرصة أخرى أقل ضغطا وأكثر إنصافا.
لا أحد يجادل في أهمية الاستثمار الصناعي، ولا في الدور الذي لعبته طنجة في تحويل المغرب إلى منصة إنتاجية ولوجستية ذات إشعاع إقليمي ودولي. لكن قوة أي نموذج صناعي لا تقاس فقط بعدد الوحدات المفتوحة، ولا بحجم الصادرات، ولا بعدد مناصب الشغل المعلنة في البلاغات والمنتديات. القوة الحقيقية تقاس أيضا بقدرة هذا النموذج على الاحتفاظ بالعامل، وعلى منحه الإحساس بأن مجهوده معترف به، وأن كرامته مصونة، وأن أجره وظروف اشتغاله يسمحان له ببناء حد أدنى من الاستقرار.
المشكلة أن اليد العاملة كثيرا ما تتحول، في الخطاب الاقتصادي الجاف، إلى مجرد رقم: عدد المناصب المحدثة، عدد المستخدمين، عدد العمال المطلوبين، عدد المغادرين. لكن خلف هذه الأرقام توجد وجوه وأسر ومسارات حياة. هناك شابة تستيقظ قبل الفجر لتلتحق بالحافلة، وهناك عامل يكرر الحركة نفسها مئات المرات في اليوم، وهناك مستخدمة تحاول التوفيق بين ضغط المصنع ومسؤوليات البيت، وهناك شباب يدخلون عالم الشغل بكثير من الأمل ثم يصطدمون بواقع لا يمنحهم دائما ما يكفي من الاعتراف.
لهذا، فإن النقاش حول الكابلاج بطنجة يجب أن يخرج من ثنائية التهويل والإنكار. ليس مفيدا أن نرسم صورة قاتمة عن قطاع يشغل آلاف الأسر ويساهم في الاقتصاد الوطني، كما أنه ليس مفيدا أن ندفن الرأس في الرمل ونعتبر كل مغادرة مجرد اختيار فردي لا معنى له. المطلوب هو فتح نقاش مهني ومسؤول حول شروط العمل، وحول العلاقة بين التنافسية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وحول قدرة المقاولات على جعل مناصب الشغل الصناعية أكثر جاذبية واستقرارا.
وقد يكون من المفيد أن تتدخل الجهات المعنية، من مفتشية الشغل والفاعلين النقابيين وممثلي المقاولات والسلطات الترابية، ليس بمنطق الأزمة، بل بمنطق التشخيص الوقائي. فمعرفة أسباب المغادرة، وتقييم شروط النقل، والإنصات إلى العمال، ومراجعة منظومة التحفيز، وتحسين التواصل داخل الوحدات الإنتاجية، كلها عناصر يمكن أن تحول الخصاص من مشكل متكرر إلى فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين المصنع والعامل.
إن طنجة، وهي تواصل تعزيز موقعها كقاطرة صناعية، تحتاج اليوم إلى أن تربح رهانين في وقت واحد: رهان الاستثمار ورهان الكرامة. فالاستثمار الذي لا يجد يدا عاملة مستقرة سيظل مهددا بالارتباك، واليد العاملة التي لا تشعر بالإنصاف ستبحث دائما عن باب خروج. وبين هذين الحدين، توجد المعادلة التي ينبغي أن ينتبه إليها الجميع: لا صناعة قوية بدون عامل مستقر، ولا تنافسية حقيقية إذا شعر الإنسان داخل المصنع بأنه مجرد رقم في جدول الإنتاج.
ما يحدث في مصانع الكابلاج بطنجة، سواء كان خصاصا ظرفيا أو مؤشرا على تحول أعمق، يستحق أن يقرأ بجدية. فالسؤال لم يعد فقط: كم منصب شغل نخلق؟ بل أيضا: أي نوع من الشغل نخلق؟ وهل نمنح العامل ما يكفي من الأسباب حتى يبقى، ويتطور، ويشعر بأن المصنع ليس فضاء للاستنزاف، بل فضاء للعمل اللائق والكرامة المهنية؟










تعليقات
0