أكدت المندوبية السامية للتخطيط، أن المغرب يصنف ضمن المناطق الأكثر هشاشة أمام التغيرات المناخية، استناداً إلى المعطيات العلمية الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، والتي تشير إلى أن وتيرة ارتفاع درجات الحرارة في البلاد تفوق المعدل العالمي.
وأوضحت المندوبية في تقرير حديث لها، أن درجات الحرارة سجلت ارتفاعاً يقارب 0.9 درجة مئوية منذ ستينيات القرن الماضي، مع توقعات بارتفاع إضافي يتراوح بين 1.5 و3.5 درجات مئوية بحلول سنة 2050، وقد يصل إلى نحو 5 درجات مع نهاية القرن في حال استمرار الانبعاثات المرتفعة.
تراجع التساقطات وتفاقم الإجهاد المائي
و ذكر التقرير، أن هذه التحولات المناخية تنعكس في تراجع واضح لكميات التساقطات وتزايد فترات الجفاف، ما يضع المغرب ضمن البلدان الأكثر تعرضا للإجهاد المائي. وتشير التوقعات إلى احتمال انخفاض التساقطات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 و20 في المائة، وقد تصل إلى 30 في المائة في بعض المناطق، خاصة ذات الطابع شبه الصحراوي.
كما أصبحت التساقطات أكثر تذبذباً وغير منتظمة، مع تزايد الظواهر المناخية القصوى، في وقت يتجه فيه عدد الأيام شديدة الحرارة إلى الارتفاع، بما ينعكس سلباً على الصحة العامة والإنتاجية الاقتصادية والأنشطة الفلاحية، فضلاً عن تأثيره على النظم البيئية والتنوع البيولوجي والموارد المائية، خصوصاً في المناطق الجبلية التي تعرف تراجعاً في تراكم الثلوج.
تهديدات متزايدة للسواحل
وعلى مستوى السواحل، تشير التقديرات إلى أن نحو 42 في المائة من الشريط الساحلي قد يصبح مهدداً بالتعرية والفيضانات في أفق سنة 2030، مع توقع ارتفاع مستوى البحر بما بين 0.4 و0.7 متر بحلول سنة 2100. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة بالنظر إلى تمركز جزء كبير من الأنشطة الاقتصادية والصناعية والسياحية على طول الساحل، إضافة إلى تمركز نسبة مهمة من السكان في هذه المناطق.
وحسب المصدر ذاته، ففي سياق مواجهة هذه التحديات، التزم المغرب، ضمن مساهمته المحددة وطنياً، بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة تصل إلى 45.5 في المائة بحلول سنة 2030 مقارنة بسيناريو الاستمرار على الوضع القائم، مع هدف مواز يتمثل في بلوغ حصة كبيرة من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة في أفق 2050، والسعي إلى تحقيق حياد كربوني تدريجي. وتُظهر المعطيات أن قطاعات الكهرباء والنقل والفلاحة تعد من أبرز مصادر الانبعاثات، ما يجعلها في صلب سياسات التخفيف، سواء عبر تطوير الطاقات المتجددة، أو تحسين النجاعة الطاقية، أو اعتماد ممارسات فلاحية مستدامة.
الاقتصاد الأخضر… دينامية متسارعة في سوق الشغل
في موازاة ذلك، يشهد المغرب دينامية متسارعة في مسار الانتقال نحو اقتصاد أخضر، في ظل تنامي الوعي بالتحديات المناخية والرهانات التنموية الجديدة. وتشير معطيات حديثة إلى أن نحو 26 في المائة من مناصب الشغل سنة 2023 ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالاقتصاد الأخضر، ما يعكس تحولا تدريجيا في بنية سوق الشغل الوطني.
وتتصدر قطاعات البناء والصناعات التحويلية والطاقة والماء وتدبير النفايات قائمة المجالات الأكثر انخراطاً في هذا التحول، إلى جانب الصناعة الغذائية وقطاع الخدمات. ويؤكد خبراء أن هذه القطاعات تضم مهناً تتضمن مهاماً صديقة للبيئة أو مرشحة لأن تصبح كذلك، الأمر الذي يفرض تطوير مهارات جديدة واستحداث وظائف وأدوار مهنية تواكب المعايير البيئية الحديثة.
تحديات التفعيل والإدماج الاجتماعي
وأشارت المندوبية، إلى أن اغتنام فرص الاقتصاد الأخضر يتطلب استثمارات موجهة، وتحديث برامج التكوين المهني، إلى جانب تفعيل الإطار التنظيمي، خاصة ما يتعلق بتنزيل مقتضيات Réglementation Thermique de Construction au Maroc (RTCM) في قطاع البناء، حيث لا يزال التطبيق الميداني دون المستوى المأمول، ما يحد من تسريع اعتماد معايير النجاعة الطاقية في المشاريع العمرانية. كما يطرح التحول الأخضر إشكالية الإدماج الاجتماعي، خاصة من زاوية النوع الاجتماعي. فعلى الرغم من الأهداف التي سطرتها استراتيجية الجيل الاخضر 2020-2030 لتحديث القطاع الفلاحي ودعم الاستغلاليات الصغرى، يؤكد متتبعون ضرورة إيلاء عناية أكبر للنساء القرويات، باعتبارهن فاعلات محوريات في التنمية الفلاحية.
حكامة مناخية ورهان تنموي شامل
أما على مستوى الحكامة، فتبرز الحاجة إلى تنسيق أوثق بين مختلف المتدخلين حسب تقرير المندوبية، خصوصا في مجالي الماء والنفايات، حيث يُسجل تفاوت في التخطيط المحلي وضعف في الانسجام الوطني، ما يستدعي تعزيز آليات التنسيق واعتماد رؤية مندمجة لتحسين نجاعة السياسات البيئية. ويخلص هذا الملف إلى أن الرهان المناخي في المغرب لم يعد بيئياً فقط، بل أصبح قضية تنموية شاملة ترتبط بالأمن المائي والغذائي، وباستدامة النمو الاقتصادي، وبالقدرة على حماية الفئات الهشة وتعزيز صمود الاقتصاد والمجتمع في مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.
وخلص التقرير، إلى أن المغرب يمتلك مؤهلات مهمة لقيادة تحول بيئي طموح، شريطة اعتماد مقاربة شمولية توازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة وضمان العدالة الاجتماعية، بما يفتح آفاقاً جديدة لفرص شغل لائقة ومستدامة في السنوات المقبلة.









تعليقات
0