أحمد بيضي
احتضن “المركز الثقافي أبو القاسم الزياني”، بمدينة خنيفرة، مساء الجمعة 27 فبراير 2026، جلسة من “الجلسات الثقافية” التي تمت برمجتها بتنسيق بين “جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي” والمركز الثقافي، حيث خصصت في هذا اللقاء لموضوع “الشباب وصنع القرار”، بحضور الباحث محمد أقزاز الذي قدم أرضية فكرية ومنهجية شكلت منطلقا لنقاش تفاعلي حول واقع وآفاق التمكين السياسي للشباب في سياق التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة وما تفرضه من تحديات جديدة على مستوى المشاركة المدنية والسياسية.
اللقاء الذي حضرته ثلة من الشباب والفاعلين المدنيين والمهتمين بالشأن المحلي، اتسم بطابع حواري مفتوح ركز على ضرورة الانتقال من خطاب تمكين الشباب إلى ما يضمن حضورهم كفاعلين حقيقيين في المجتمع وليس مجرد متلقين للسياسات العمومية، وافتتحت الجلسة المسيرة، الفاعلة النسائية فتيحة حروش، التي وضعت الحضور في صلب الإشكالات المرتبطة بموقع الشباب داخل النقاش العمومي، مقدمة قراءة تأطيرية أبرزت تداخل العوامل الاجتماعية والتربوية والسياسية في تشكيل علاقة الشباب بالفعل العمومي.
من جهته، أكد مدير المركز الثقافي، حسن بلكبير، في كلمته أن الرهان على الشباب لم يعد خيارا بل ضرورة استراتيجية في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع، مشيرا إلى أن المغرب يراهن على طاقات الشباب باعتبارهم رافعة للتنمية وصناعا للمستقبل، وهو ما يطرح سؤالا مركزيا حول كيفية تحويل هذا الرهان إلى برامج ملموسة قادرة على التأهيل والمواكبة وبناء جسور التواصل بين الشباب والفاعلين المؤسساتيين، بما يسمح بتشكيل جيل رقمي يبحث عن المعنى وقادر على الاندماج في دوائر القرار.
وفي السياق ذاته، استحضر الفاعل المدني، خالد حجيرت، في كلمته حصيلة أنشطة ومشاريع جمعية أنير، بصفته عضوا بها، مبرزا أن عدداً من المبادرات الشبابية أبانت عن قدرة واضحة على التأثير وصناعة النقاش العمومي، ومشيرا إلى نماذج حركية شبابية ساهمت في إبراز صوت الشباب داخل الفضاء العام من بينها حركة 20 فبراير وما حمله جيل زد من تحولات في القيم وأنماط التعبير والمشاركة، ورغم هذا الزخم، رأى المتدخل أن واقع مشاركة الشباب لا يزال يواجه اختلالات بنيوية.
واستعرض حجيرت نتائج دراسات تشير إلى استمرار تحديات الهدر المدرسي والبطالة واتساع بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بالهشاشة، مثل الانحراف والتطرف والجريمة والهجرة، وهي عوامل تربك حضور الشباب في الفعل السياسي وتحد من قدرتهم على التأثير في السياسات العمومية، مقابل الحاجة إلى مبادرات أكثر جرأة تفتح آفاقا مستقبلية للمشاركة الفعلية، وزاد المتدخل مستحضرا ما تم اقتراحه بالمغرب من مبادرات وأبواب مستقبلية في حاجة إلى تنزيل وتفعيل وتقوية.
أرضية تحليلية
وفي مداخلته، استهل ضيف الجلسة، الباحث محمد أقزاز، أرضيته بالتركيز على محور الشباب وصنع القرار على المستويين الترابي والوطني، منطلقا من اعتبار الشباب الفئة العمرية الأكثر حضورا داخل البنية الديمغرافية للمجتمع المغربي، وهو ما يجعل إدماجهم في السياسات العمومية خيارا بنيويا لا يمكن تأجيله، بل مدخلا أساسيا لضمان فعالية التنمية واستدامتها، فيما توقف المتدخل عند مختلف الفصول والمواد الدستورية التي تناولت قضايا الشباب، مقدما قراءة تحليلية لمسار تمكين الشباب.
وفي هذا الصدد، استحضر الباحث أقزازً، ضمن مداخلته، دور مؤسسات الوساطة في نقل صوت المجتمع إلى المسؤولين وصناع القرار، وعلى رأسها المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي الذي نص عليه دستور المغرب 2011 وصدر قانونه التنظيمي سنة 2018 بهدف توسيع مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، غير أن هذا الإطار المؤسساتي ظل، وفق المداخلة، مشروعا معلقا لم ير النور بعد رغم ما يحمله من إمكانات في مجال التأطير والتمثيلية.
وفي ذات السياق، تناول أقزاز ما أفرزته الاستحقاقات الانتخابية من حضور شبابي داخل المؤسسات التمثيلية على المستويين البرلماني والجهوي، مشيرا إلى ما تم إقراره من إجراءات تحفيزية لتسهيل ولوج الشباب إلى مواقع المسؤولية، مع طرح سؤال مدى تفاعل هذه النخب الشابة مع الإرادة السياسية التي عبرت عنها الدولة في اتجاه توسيع قاعدة المشاركة وإتاحة فرص أكبر أمام الأجيال الجديدة، متحدثا عن علاقة الشباب بصنع القرار الترابي، بينما حرص على استحضار تجربة “هيئة مجلس الشباب”، بوزان، باعتبارها آلية تشاركية للحوار والتشاور.
وأكد المتدخل بالتالي أهمية آليتي العرائض والملتمسات باعتبارهما أدوات قانونية تتيح للمواطنين، أفرادا وجمعيات، تقديم مطالب أو مقترحات قوانين للسلطات المركزية والجماعات الترابية، بما يعزز الديمقراطية التشاركية ويمنح الشباب إمكانات ملموسة للتأثير في السياسات العمومية ومراقبة تنفيذها، داعيا إلى تبسيط مساطر هذه الآليات وتوسيع الوعي بها داخل الأوساط الشبابية، كما طرح بدائل سياساتية لتعزيز فرص وصول الشباب إلى مواقع صنع القرار، منتقدا ما اعتبره محدودية اهتمام بعض الأحزاب بقضايا الشباب وبرامجهم واهتماماتهم.
ومقابل حديثه عن الحاجة إلى مراجعة آليات التأطير الحزبي وتوفير مسارات واضحة للترقي السياسي المبني على الكفاءة، حرص المتدخل على تفكيك أسباب العزوف الراهن عن العمل السياسي وهشاشة المشاركة الشبابية، معتبرا أن بعض الممارسات السياسية التي تركز على جمع الأصوات الانتخابية أكثر من الاستثمار في الرأسمال البشري تساهم في تعميق فجوة الثقة بين الشباب والفاعل السياسي، وتوقف كذلك عند أثر الظروف الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل وتعميق هذه الفجوة.
وبينما تطرق لهشاشة الأوضاع التي تدفع الشباب إلى توجيه اهتمامهم نحو الرقمنة والتكنولوجيا، تناول المتدخل تأثير الانتماءات الجغرافية في علاقة الشباب بالتراب، وإلى واقع الكفاءات داخل مجالس الأقاليم، إضافة إلى إشكالية إغلاق عدد من المقرات الحزبية في مدن مختلفة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى فضاءات للتكوين والتأطير السياسي، وفي ختام مداخلته، شدد أقزاز على دور اقتصاد المعرفة في تحقيق التنمية وخلق فرص جديدة أمام الشباب، مبرزا أهمية تفعيل وتقوية الأندية التربوية داخل المؤسسات التعليمية.
أسئلة جوهرية
وشهد اللقاء نقاشا موسعا وعميقا حول أبرز الإشكالات التي تحيط بملف الشباب، حيث تداخلت التساؤلات مع التصورات والمقترحات في محاولة جماعية لوضع الأصبع على مكامن الخلل التي تعيق انتقال الشباب من موقع الانتظار إلى موقع الفعل والتأثير داخل المجال العام، وقد تمحورت المداخلات حول سؤال جوهري يتعلق بمدى توفر رؤية استراتيجية واضحة لدى الدولة تجاه الشباب؟، وكيف يمكن تحويل الخطاب السياسي حول هذه الفئة إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتنفيذ؟.
وتوقف النقاش عند إشكالية إقناع الشباب بالانخراط في العمل السياسي في ظل استمرار فجوة الثقة بين الفاعل الحزبي والأجيال الجديدة؟، مقابل سؤال موازٍ يتعلق بكيفية إقناع المواطن بالتصويت للشباب ومنحهم الشرعية التمثيلية؟، وهو ما أعاد طرح مسألة صورة الشباب داخل الحقل السياسي ومدى حضور الكفاءة مقابل منطق التزكية والاعتبارات التنظيمية، كما طُرح سؤال حول معنى صنع القرار نفسه؟ وحدود مشاركة الشباب فيه؟، وما إذا كانت هذه المشاركة فعلية أم تظل محكومة بسقوف مؤسساتية وتنظيمية؟.
وسلط المتدخلون الضوء على مفارقة البرامج الحزبية التي تمنح الشباب مساحة بارزة خلال الحملات الانتخابية قبل أن تتراجع أولوياتهم بعد انتهائها؟، وفي السياق ذاته، أثيرت إشكالية عدم استفادة أقاليم مثل خنيفرة من كفاءاتها الجامعية الشابة؟، كما ناقش الحضور صعوبة الحديث عن وصول الشباب إلى مراكز القرار في ظل استمرار الخوف لدى عدد منهم من الانخراط السياسي، نتيجة تمثلات سلبية متراكمة أو غياب مسارات واضحة للتأطير، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤال دور الشباب في تأطير الشباب؟.
نقط نظام
وتوسعت النقاشات نحو أسئلة أكثر عمقا تتعلق بتحديد المقصود بالشباب ذاته: أي شباب نريد ونقصد؟ وأي فئات نتحدث عنها؟ وهل يمكن الحديث عن شباب واحد أم عن فئات متعددة؟ كما برز سؤال محوري حول اللحظة التي يفرض فيها الشباب أنفسهم لانتزاع حقهم في المشاركة السياسية بدل انتظار ما تمنحه آليات مثل “الكوطا”، إلى جانب تقييم حصيلة التنظيمات الشبيبية الحزبية ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المنتظرة لمستقبل البلاد؟، مع إبراز الحاجة إلى مقاربات تشاركية تدمج الشباب في مراحل التشخيص والاقتراح والتنفيذ.
وخلصت المداخلات إلى الدعوة لبناء مصالحة جديدة بين الأحزاب والشباب وإعادة الثقة بين الطرفين، عبر مراجعة أساليب التأطير والانفتاح على أشكال المشاركة الجديدة، حيث حضر النقاش حول دور تحولات جيل جيل زد في دفع المؤسسات إلى الانتباه بشكل أكثر جدية لقضايا الشباب وأنماط تعبيرهم المختلفة، بما فيها الرقمية، كما استُحضر دور المخيمات التربوية في تكوين الشباب ومدى استمرار قدرتها على حمل الهم الشبابي وبناء القيم الجماعية، مقابل الإشارة إلى قرارات وإجراءات إدارية تُبطئ أحياناً مبادرات القطاعات المعنية بالشباب.
وتوقف النقاش أيضا عند الإكراهات والشروط التي تواجه الشباب حاملي المشاريع في إطار “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”، خاصة ما يرتبط بالمساطر والتعقيدات التي قد تحد من الاستفادة الفعلية، كما طُرحت إشكالية غياب جامعة ومعاهد عليا بالإقليم كعامل يؤثر في جاذبية المجال وفي فرص استقرار الكفاءات الشابة، إضافة إلى معيقات تفعيل الدعم المالي المخصص لحملة الشباب الراغب في الترشح للاستحقاقات المقبلة، وهي عناصر اعتبرها المتدخلون جزءاً من منظومة تحديات أوسع تتطلب مقاربات مندمجة.









تعليقات
0