برز نظام المقاول الذاتي خلال سنة 2025 كأحد أبرز مداخل توسيع القاعدة الجبائية وإدماج فئات جديدة داخل الاقتصاد المنظم، بعدما تجاوز عدد المسجلين فيه 463 ألفا، في مؤشر يعكس تنامي الإقبال على هذا الإطار القانوني والجبائي المبسط. ولا يتعلق الأمر هنا فقط برقم إداري جديد، بل بمسار أوسع تسعى من خلاله الدولة إلى استيعاب جزء من الأنشطة الصغيرة والمهن الفردية داخل منظومة أكثر وضوحا من حيث التصريح والمساهمة والحقوق.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة لأنه يضع المقاول الذاتي في قلب التحول الجاري داخل المنظومة الجبائية. فهذا النظام لم يعد مجرد صيغة تقنية لتسجيل الأنشطة الصغيرة، بل أصبح أداة عملية لتوسيع الوعاء الضريبي دون اللجوء إلى رفع الضغط على الفئات نفسها، سواء من الأجراء أو المقاولات المهيكلة. ومن هذه الزاوية، يبدو المقاول الذاتي أحد مفاتيح الانتقال من اقتصاد غير مهيكل أو شبه مهيكل إلى اقتصاد أكثر انتظاما ووضوحا.
وتكمن قوة هذا النظام في بساطته النسبية، إذ يتيح لفئات واسعة ممارسة نشاطها المهني في إطار قانوني واضح، مع الاستفادة من مساطر أخف في التصريح والأداء، بما يخفف من كلفة الولوج إلى المنظومة الرسمية. كما يمنح للمهني الصغير وضعا أوضح أمام الإدارة والزبناء والمؤسسات، ويفتح له، نظريا على الأقل، آفاقا أفضل في ما يتعلق بالتعاملات الاقتصادية والتمويل والإثبات القانوني للنشاط.
غير أن الرهان الحقيقي لا يقف عند حدود توسيع عدد المسجلين. فالتحدي الأكبر يظل في تحويل هذا الانخراط العددي إلى إدماج اقتصادي وجبائي فعلي، قائم على نشاط حقيقي وتصريح منتظم ومساهمة مستدامة. فليس كل تسجيل بالضرورة دليلا على اندماج مكتمل، وقد يبقى بعض المسجلين خارج دورة النشاط المنتظم أو بعيدين عن الالتزام الفعلي، وهو ما يجعل من جودة التتبع والمواكبة عاملا حاسما في تقييم نجاح التجربة.
كما أن نجاح نظام المقاول الذاتي يظل مرتبطا بمدى قدرة الإدارة على جعله إطارا جاذبا لا عبئا إضافيا. فالمهني الصغير يحتاج إلى وضوح في القواعد، وتبسيط في المساطر، ومواكبة في الاستعمال الرقمي، وإحساس بأن دخوله إلى المنظومة المنظمة سيمنحه امتيازا واستقرارا، لا مجرد التزام ضريبي جديد. لذلك، فإن بناء الثقة يظل عنصرا أساسيا في ترسيخ هذا الورش، خاصة لدى فئات اعتادت الاشتغال في هامش الاقتصاد الرسمي.
وفي هذا السياق، يظهر توسع عدد المقاولين الذاتيين كإشارة إيجابية على تقدم جهود الإدماج، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة مشروعة حول الأثر الفعلي لهذا التوسع على بنية الاقتصاد الوطني. فالمسألة لا تتعلق فقط بعدد المسجلين، بل بقدرة هذا النظام على خلق مسار مستدام للانتقال من الهشاشة إلى التنظيم، ومن النشاط المحدود إلى الاندماج الاقتصادي الأوسع.
وهكذا، تكشف معطيات سنة 2025 أن المقاول الذاتي لم يعد مجرد عنوان جانبي في السياسة الجبائية، بل صار أحد أبرز عناوينها العملية. غير أن نجاح هذا الورش لن يقاس فقط بتسجيل المزيد من الأسماء، بل بمدى تحويل هذا التسجيل إلى التزام منتظم، ونشاط منتج، وعلاقة ثقة دائمة بين الإدارة وفئة واسعة من المهنيين الصغار.










تعليقات
0