المال العام بلا حرمة … والبرلمان بلا أنياب

المال العام بلا حرمة … والبرلمان بلا أنياب
المال العام بلا حرمة … والبرلمان بلا أنياب
محمد الطالبي الأحد 7 يونيو 2026 - 17:59 l عدد الزيارات : 3215

لم يعد الجدل المرتبط بدعم استيراد الأغنام وتداعياته على الأسعار والقدرة الشرائية للمغاربة مجرد نقاش اقتصادي أو اجتماعي عابر، بل تحول إلى مناسبة سياسية ودستورية كشفت أعطاباً عميقة في منظومة الرقابة البرلمانية وآليات المساءلة داخل المؤسسات المنتخبة.
فقد تابع الرأي العام، على امتداد الأشهر الماضية، نقاشاً واسعاً حول الأموال العمومية التي رُصدت لدعم استيراد الأغنام والإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تداعيات الجفاف وتراجع القطيع الوطني. غير أن النتائج التي لمسها المواطن على أرض الواقع ظلت محل تساؤل كبير، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وصعوبة الولوج إلى الأضاحي بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع، الأمر الذي جعل المطالبة بكشف المعطيات وتوضيح الحقائق مطلباً مشروعاً لا يمكن اعتباره مجرد مزايدة سياسية أو صراعاً بين الأغلبية والمعارضة.
لقد أفرزت هذه الأزمة أسئلة جوهرية تتعلق بمدى نجاعة الدعم العمومي، وبكيفية تدبيره، وبالأثر الفعلي للإعفاءات والتسهيلات التي استفاد منها المستوردون، كما أعادت إلى الواجهة النقاش حول تطور أعداد القطيع الوطني وحول فعالية السياسات العمومية الموجهة للقطاع. وهي أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالشعارات أو بالتراشق السياسي، وإنما عبر آليات مؤسساتية ودستورية تتيح الوصول إلى الحقيقة وتقديم الأجوبة الدقيقة للرأي العام.
غير أن ما كشفته هذه الأزمة يتجاوز في أهميته ملف الأغنام نفسه. فقد أظهرت بوضوح محدودية قدرة المعارضة البرلمانية على تفعيل بعض أهم آليات الرقابة التي يتيحها الدستور، وفي مقدمتها لجان تقصي الحقائق. فبالرغم من أن الدستور منح البرلمان هذه الصلاحية باعتبارها إحدى أقوى وسائل المراقبة والتدقيق في تدبير الشأن العام، فإن شروط تفعيلها تجعل ممارستها رهينة بالتوازنات العددية داخل المؤسسة التشريعية.
وهنا يبرز الإشكال الحقيقي. فوجود الحق في النص لا يعني بالضرورة إمكانية ممارسته في الواقع. وما قيمة آلية دستورية يفترض أن تمكن من البحث عن الحقيقة إذا كانت المعارضة عاجزة عن تفعيلها بسبب اختلال موازين القوى العددية داخل البرلمان؟ وما جدوى الحديث عن حقوق دستورية متقدمة إذا كانت شروط ممارستها تجعلها أقرب إلى الحقوق النظرية منها إلى الأدوات العملية؟
إن جوهر الإشكال لا يكمن في كون الأغلبية البرلمانية استعملت حقها العددي، فذلك حق مشروع تتيحه قواعد العمل الديمقراطي، وإنما في الكيفية التي جرى بها توظيف هذا التفوق العددي لتحويل آلية رقابية دستورية إلى آلية معطلة عملياً. فبين ما يسمح به القانون وما تقتضيه روح الديمقراطية مسافة واسعة، لا تُقاس بعدد المقاعد بقدر ما تُقاس بمدى الإيمان بمبادئ الشفافية والمساءلة.
لقد بدا وكأن الأغلبية اختارت الاحتماء بمنطق العدد بدل الاحتكام إلى منطق الحقيقة. والحال أن الملفات المرتبطة بالمال العام وبالسياسات العمومية لا ينبغي أن تكون مجالاً للحسابات السياسية الضيقة، لأن الغاية من الرقابة ليست إحراج الحكومة ولا تسجيل نقاط لفائدة المعارضة، وإنما طمأنة المواطنين إلى أن مؤسساتهم قادرة على كشف الوقائع وتحديد المسؤوليات كلما اقتضت الضرورة ذلك.
والأكثر إثارة للانتباه أن الأغلبية التي ترفض اليوم تفعيل آليات التحقيق البرلماني بدعوى حماية المؤسسات أو الحفاظ على الاستقرار، تتناسى أن المؤسسات لا تُحمى بحجب الأسئلة، وإنما بامتلاك الشجاعة الكافية للإجابة عنها. فالحقيقة ليست خطراً على الدولة، والخطر الحقيقي يكمن في اتساع دائرة الشك وتراكم الاتهامات في غياب تحقيق مؤسساتي قادر على الحسم وتقديم الوقائع للرأي العام.
ومن هنا فإن المسؤولية السياسية عن تعطيل هذه الرقابة لا يمكن تحميلها للمعارضة التي لا تتوفر على العدد الكافي لتفعيل الآليات الدستورية المتاحة، بل تتحملها الأغلبية البرلمانية والحكومة معاً. فالأغلبية تمتلك الإمكانات السياسية والدستورية الكفيلة بفتح التحقيق متى توفرت الإرادة، والحكومة تبقى المستفيد الأول من غياب آليات التدقيق والمساءلة في الملفات المثيرة للجدل.
ولا يتعلق الأمر هنا بحق المعارضة في استعمال آلية دستورية فحسب، بل بحق المواطنين أنفسهم في معرفة الحقيقة. فالمال العام ليس ملكاً للحكومة ولا للأغلبية، والسياسات العمومية لا تُنجز لفائدة الأحزاب، بل باسم المجتمع ومن موارده. ولذلك فإن أي نقاش حول كيفية صرف الأموال العمومية ونتائجها الفعلية يهم المواطنين قبل أن يهم الفاعلين السياسيين.
إن الديمقراطية لا تقوم على منطق الغلبة العددية وحده، وإنما على التوازن بين سلطة القرار وسلطة الرقابة. فالبرلمان لم يوجد ليكون مجرد غرفة لتزكية القرارات الحكومية، بل مؤسسة دستورية تمارس التشريع والمراقبة والتقييم. وكلما أصبحت الرقابة رهينة لإرادة الأغلبية، تراجع التوازن الذي يشكل أحد أسس النظام الديمقراطي.
لقد كشفت أزمة الأغنام، بعيداً عن أرقام القطيع وحجم الدعم وأسعار السوق، حقيقة سياسية ودستورية تستحق التوقف عندها. فقد بينت أن بعض آليات الرقابة التي يفترض أن تكون في خدمة الحقيقة أصبحت رهينة للحسابات العددية، وأن المعارضة تجد نفسها محرومة عملياً من وسائل دستورية يفترض أنها وجدت أصلاً لحماية حق الأقلية في المساءلة والمراقبة.
إن البرلمان لا يفقد هيبته عندما يشكل لجنة لتقصي الحقائق، بل يفقدها عندما يبدو عاجزاً عن استعمال الصلاحيات التي منحه إياها الدستور. كما أن الحكومة لا تتقوى بإبعاد الرقابة عنها، وإنما تتقوى عندما تكون مستعدة للخضوع لها بثقة واطمئنان. فالمساءلة ليست عقوبة، بل إحدى علامات النضج الديمقراطي.
، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن المعارضة أو مهاجمة الأغلبية، بل بالدفاع عن حق المغاربة في الوصول إلى الحقيقة. فالمؤسسات القوية هي التي تسمح بالتحقيق، والدول الواثقة من نفسها لا تخشى الرقابة، أما الحقيقة فلا يمكن أن تكون تهديداً لأي مؤسسة تؤمن فعلاً بمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

طقس الاثنين 08 يونيو .. حرارة تصل إلى 42 درجة بأوسرد ورياح قوية مع تطاير الغبار
الأحد 7 يونيو 2026 - 20:00

طقس الاثنين 08 يونيو .. حرارة تصل إلى 42 درجة بأوسرد ورياح قوية مع تطاير الغبار

توثيق العقود العقارية على طاولة لجنة العدل.. حماية للملكية أم كلفة إضافية على المواطنين؟
الأحد 7 يونيو 2026 - 19:15

توثيق العقود العقارية على طاولة لجنة العدل.. حماية للملكية أم كلفة إضافية على المواطنين؟

مجموعات المونديال.. أين تكمن أقوى المواجهات؟
الأحد 7 يونيو 2026 - 18:45

مجموعات المونديال.. أين تكمن أقوى المواجهات؟

تطوان.. انتقال تدريجي نحو المستشفى الجهوي الجديد للتخصصات مع استمرار خدمات حيوية بسانية الرمل
الأحد 7 يونيو 2026 - 18:17

تطوان.. انتقال تدريجي نحو المستشفى الجهوي الجديد للتخصصات مع استمرار خدمات حيوية بسانية الرمل

corner image
error: