توثيق العقود العقارية على طاولة لجنة العدل.. حماية للملكية أم كلفة إضافية على المواطنين؟

توثيق العقود العقارية على طاولة لجنة العدل.. حماية للملكية أم كلفة إضافية على المواطنين؟
توثيق العقود العقارية على طاولة لجنة العدل.. حماية للملكية أم كلفة إضافية على المواطنين؟
سفيان ماسين الأحد 7 يونيو 2026 - 19:15 l عدد الزيارات : 3892

تفتح لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، يوم الإثنين 8 يونيو 2026، ملفا تشريعيا حساسا يرتبط مباشرة بسوق العقار وبأمن المعاملات. فقد برمجت اللجنة، مباشرة بعد الجلسة العامة، اجتماعا لدراسة مشروع قانون رقم 041.25، القاضي بتغيير عدد من النصوص المنظمة للتصرفات العقارية، وفي مقدمتها مدونة الحقوق العينية، وقانون الالتزامات والعقود، ونظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، والقانون المتعلق بالإيجار المفضي إلى تملك العقار.

ويضع هذا المشروع سؤالا مركزيا أمام النقاش البرلماني: هل يتعلق الأمر بخطوة ضرورية لحماية الملكية وتقليص النزاعات العقارية، أم بإضافة كلفة ومساطر جديدة على المواطنين والمهنيين في سوق تعاني أصلا من التعقيد والبطء؟

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

يراهن مشروع القانون على توسيع نطاق اللجوء إلى المحرر الرسمي في عدد من التصرفات العقارية، تحت طائلة البطلان. ويشمل ذلك نقل ملكية العقار، وإنشاء الحقوق العينية، ونقلها، وتعديلها، وإسقاطها، إضافة إلى الوعد بالبيع العقاري والوكالات الخاصة بهذه التصرفات.

ويعني هذا التوجه أن المشرع يتجه نحو تضييق هامش التعامل بالمحررات غير الرسمية في مجال شديد الحساسية. فالملكية العقارية لا ترتبط فقط بقيمة مالية، بل تمس الاستقرار الاجتماعي، والسكن، والاستثمار، وحقوق الأسر، ومصالح الورثة، وعلاقات المواطنين بالمؤسسات.

وتستند فلسفة المشروع إلى الحاجة إلى تقوية الأمن التعاقدي، خاصة في ظل ما تعرفه المحاكم من منازعات عقارية مرتبطة بصحة العقود، وحجية الوثائق، وتعدد التصرفات، وصعوبة إثبات الإرادة الحقيقية للأطراف. ومن هذه الزاوية، يبدو اعتماد المحرر الرسمي وسيلة لضبط المعاملات، وتقليص حالات النزاع، وحماية المتعاقدين من التلاعب أو سوء التأويل.

غير أن الوجه الآخر للنص يطرح أسئلة لا تقل أهمية. فإلزام المواطنين بالمرور عبر المحرر الرسمي في نطاق أوسع قد يرفع كلفة المعاملات العقارية، ويطيل آجال إنجازها، ويجعل فئات واسعة أمام عبء إضافي، خصوصا في المناطق التي لا تتوفر على ولوج سهل إلى خدمات التوثيق، أو في الحالات التي تتعلق بتصرفات بسيطة أو ذات قيمة محدودة.

وتبرز حساسية المشروع أكثر في سوق العقار في طور الإنجاز، حيث يتجه النص إلى اشتراط تحرير عقد البيع الابتدائي في محرر رسمي تحت طائلة البطلان. وهذه نقطة محورية بالنظر إلى كثرة النزاعات التي عرفتها هذه السوق، سواء بسبب التأخر في التسليم، أو تغيير المواصفات، أو تعثر المشاريع، أو ضعف الضمانات المقدمة للمشترين.

ومن شأن هذا المقتضى أن يوفر حماية أكبر للمقتني، لكنه في المقابل يستدعي نقاشا حول أثره على كلفة الاقتناء، وحول ما إذا كانت الرسمية وحدها كافية لمعالجة اختلالات أعمق ترتبط بالمراقبة، والضمانات، واحترام الآجال، ومسؤولية المنعشين العقاريين.

ويمتد المشروع أيضا إلى الملكية المشتركة للعقارات المبنية، حيث يخضع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشتركة أو إنشاء حقوق عينية عليها أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها للمحرر الرسمي. ويهم هذا المقتضى الشقق والمحلات داخل العمارات والإقامات والمركبات السكنية والمهنية، وهي فضاءات تعرف بدورها نزاعات متزايدة بين الملاك، والسنديك، والمنعشين، والمشترين.

كما يشمل المشروع عقود الإيجار المفضي إلى تملك العقار، عبر اشتراط تحريرها في محرر رسمي تحت طائلة البطلان، مع التنصيص على حق المكتري المتملك في الانتفاع بالعقار بمجرد إبرام العقد. ويكتسي هذا الجانب بعدا اجتماعيا، لأن هذه الصيغة قد تشكل مدخلا لتملك السكن بالنسبة لفئات لا تستطيع اقتناء العقار دفعة واحدة.

ولهذا، فإن النقاش داخل لجنة العدل والتشريع لن يكون تقنيا فقط. فالمشروع يضع البرلمان أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن حماية الملكية العقارية وضمان سلامة العقود، دون تحويل التوثيق إلى حاجز إضافي أمام المواطنين؟ وكيف يمكن تقليص النزاعات، دون تحميل الفئات المتوسطة والهشة كلفة قانونية جديدة؟ وكيف يمكن ضبط السوق، دون تعقيد مساطرها أكثر؟

إن اعتماد الرسمية في العقود العقارية قد يكون مدخلا ضروريا لمحاربة الفوضى والتلاعب، لكنه يحتاج إلى ضمانات موازية. وفي مقدمتها تبسيط المساطر، وتوضيح التعريفات، وتوسيع الولوج إلى خدمات التوثيق، وتقوية المراقبة، وضمان ألا يتحول النص إلى امتياز لفئات مهنية بعينها على حساب المواطن.

وبذلك، يخرج مشروع قانون رقم 041.25 من دائرة التعديل القانوني المحدود إلى دائرة النقاش العمومي الواسع. فهو لا يهم الموثقين والعدول والمحامين والمنعشين العقاريين وحدهم، بل يهم كل مواطن يشتري سكنا، أو يبيع عقارا، أو يدخل في وعد بالبيع، أو يقتني شقة في ملكية مشتركة، أو يراهن على عقد إيجار مفض إلى التملك.

ومن المنتظر أن تكشف مناقشة المشروع داخل لجنة العدل والتشريع عن طبيعة التعديلات والملاحظات التي ستقدمها الفرق والمجموعات النيابية. فالمطلوب ليس رفض مبدأ الحماية القانونية، بل التأكد من أن هذه الحماية لن تتحول إلى كلفة إضافية، أو مسطرة مرهقة، أو عائق جديد أمام حق المواطنين في الولوج إلى الملكية والسكن.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

موجز أنباء العالم حتى الساعة الثامنة مساء من يومه الأحد
الأحد 7 يونيو 2026 - 21:00

موجز أنباء العالم حتى الساعة الثامنة مساء من يومه الأحد

اختتام أشغال ورشة التفكير الدولية لتقييم آلية الاستعراض الدوري الشامل.. تنويه بالمساهمة البناءة للمغرب في تطوير هذه الآلية
الأحد 7 يونيو 2026 - 20:39

اختتام أشغال ورشة التفكير الدولية لتقييم آلية الاستعراض الدوري الشامل.. تنويه بالمساهمة البناءة للمغرب في تطوير هذه الآلية

أطباء العيون بالقطاع الخاص يدعون إلى إصلاحات عاجلة لحماية جودة العلاج وسلامة المرضى
الأحد 7 يونيو 2026 - 20:30

أطباء العيون بالقطاع الخاص يدعون إلى إصلاحات عاجلة لحماية جودة العلاج وسلامة المرضى

الجمهور المغربي في نيويورك.. حماس المونديال يصطدم بتفاصيل التنقل والكلفة
الأحد 7 يونيو 2026 - 20:15

الجمهور المغربي في نيويورك.. حماس المونديال يصطدم بتفاصيل التنقل والكلفة

corner image
error: