في المشهد السياسي المغربي، تتسع يوما بعد يوم ظاهرة مقلقة باتت تطرح أكثر من علامة استفهام حول معنى الانتماء السياسي، ومصداقية التمثيلية الحزبية، وحدود الالتزام تجاه إرادة الناخب.
إنها ظاهرة الترحال السياسي، التي لم تعد مجرد حالات معزولة، بل تحولت إلى سلوك متكرر يعيد تشكيل الخريطة الحزبية وفق منطق المصلحة والفرص الانتخابية، أكثر مما يعكس قناعة فكرية أو التزاما سياسيا واضحا.
لقد أصبح من المألوف أن نرى بعض المنتخبين أو المرشحين ينتقلون من حزب إلى آخر بسهولة لافتة، وكأن الأمر يتعلق بتغيير موقع ظرفي لا يترتب عنه أي أثر سياسي أو أخلاقي.
هذا التحول السريع في الانتماءات الحزبية لذى البعض يخلق حالة من الارتباك لدى المواطن، الذي لم يعد قادرا على فهم أين تنتهي القناعة وأين تبدأ المصلحة، وأين يبدأ البرنامج وأين ينتهي الحساب الانتخابي.
إن خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط في فعل الانتقال الحزبي في حد ذاته، بل في كونه يمس جوهر العملية الديمقراطية.
فالناخب حين يصوت، فإنه لا يمنح صوته لشخص مجرد، بل يختار حزبا وبرنامجا ورؤية لتدبير الشأن العام.
وعندما يغير المنتخب انتماءه بعد ذلك، فإنه عمليا يعيد تشكيل هذا الاختيار خارج إرادة المواطن، بما يضعف الثقة في الجدوى الحقيقية للتصويت، ويشعر الناخب بأن صوته لم يعد محميا أو محترما كما ينبغي.
ومن هنا تتعمق أزمة الثقة بين المواطن والسياسة، وهي أزمة لا يمكن اختزالها في العزوف الانتخابي فقط، بل تمتد إلى نظرة المجتمع للعمل الحزبي برمته. فكيف يمكن إقناع الشباب بالانخراط في الحياة السياسية، وهم يرون أن الانتماء الحزبي يمكن تغييره بسهولة، وأن المبادئ السياسية قد تستبدل وفق الظرفية والفرص المتاحة؟
غير أن المسؤولية في هذا الواقع لا تقع على عاتق الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى الأحزاب السياسية نفسها، التي يفترض أن تكون حاضنة للتأطير والتكوين وإنتاج النخب وصياغة البرامج. غير أن ما يحدث في بعض الحالات هو العكس تماما، حيث تتحول الأحزاب إلى مجرد وسائل انتخابية تبحث عن تحقيق النتائج، ولو عبر استقطاب شخصيات لا يجمعها بها انسجام فكري أو مشروع سياسي مشترك.
وهكذا، بدل أن يكون الحزب مدرسة سياسية قائمة على القناعة والانتماء والممارسة، يصبح في أحيان كثيرة مجرد محطة عبور نحو المؤسسات المنتخبة. وفي المقابل، لا يجد بعض المنتخبين أي حرج في تغيير مواقعهم السياسية، لأن البنية الحزبية نفسها لم تعد تفرض شروطا صارمة للانتماء أو الالتزام، بل تغلب عليها اعتبارات ظرفية وانتخابية صرفة.
هذا الواقع يفرغ العمل الحزبي من محتواه، ويضعف دوره التأطيري، ويحول التنافس السياسي إلى سباق محكوم بالحسابات الفردية أكثر من البرامج الجماعية. كما يساهم في تآكل الحدود بين الأحزاب، ويجعل المواطن عاجزا عن التمييز بين مشاريع سياسية مختلفة، ما دام نفس الوجوه يمكن أن تظهر بألوان حزبية متناقضة في كل استحقاق انتخابي.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل لا يقل خطورة، يتمثل في الفراغ القانوني الذي لا يزال يطبع هذه الظاهرة. فغياب قواعد صارمة وواضحة تنظم مسألة الترحال السياسي، يفتح المجال أمام استمرار هذا السلوك دون محاسبة حقيقية، ويجعل من الالتزام السياسي أمراً غير ملزم، رغم أنه يمس بشكل مباشر مصداقية التمثيل الديمقراطي.
إن استمرار هذا الوضع ينعكس سلبا على الثقة العامة في المؤسسات السياسية، ويغذي العزوف عن المشاركة، خاصة لدى فئة الشباب التي باتت تنظر إلى السياسة باعتبارها مجالا تحكمه المصالح أكثر مما تحكمه المبادئ.
كما يضعف صورة الفعل السياسي في وقت يحتاج فيه المغرب إلى تعزيز الثقة في مؤسساته، انسجاما مع ديناميته التنموية والدبلوماسية المتصاعدة.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات شفافة، بل في حماية معناها السياسي والأخلاقي.
فالديمقراطية لا تقاس فقط بصندوق الاقتراع، بل أيضا بمدى احترام نتائجه، وبمدى صون إرادة الناخب من أي التفاف أو تشويه.
وعليه، فإن الحاجة أصبحت ملحة إلى إصلاح عميق يعيد الاعتبار للحزب السياسي كمؤسسة للتأطير والتكوين وبناء القناعات، لا كمجرد جسر نحو المناصب.
كما أن المشرع مدعو إلى التفكير في آليات قانونية واضحة تحد من الترحال السياسي، وتربط المسؤولية السياسية بالالتزام الحزبي، بما يضمن حماية الإرادة الشعبية وتعزيز الثقة في العمل السياسي.
في النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي ديمقراطية ليس فقط ضعف المشاركة، بل فقدان الثقة في جدوى المشاركة نفسها.
وحين يشعر المواطن أن صوته يمكن أن يعاد توجيهه خارج إرادته، وأن اختياره يمكن أن يتغير بعد الانتخابات دون علمه، فإننا نكون أمام خلل عميق يمس جوهر العقد الديمقراطي.
إن هذا الترحال السياسي ليس مجرد حركة داخل الخريطة الحزبية، بل هو اختبار حقيقي لمدى نضج التجربة الديمقراطية، وقدرتها على حماية إرادة الناخب، وصون معنى السياسة باعتبارها التزاما قبل أن تكون مصلحة.
الترحال السياسي في المغرب يحول الأحزاب إلى محطات عبور، تضيع معها إرادة الناخب.










تعليقات
0