كشفت الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2025 عن مفارقة اقتصادية لافتة. فقد سجل الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4,9%، مقابل 4,4% سنة 2024، غير أن هذا التحسن لم يكن مدفوعا بقوة استهلاك الأسر، بقدر ما استند إلى انتعاش الاستثمار وتحسن النشاط الفلاحي. وتبدو هذه المفارقة مهمة، لأنها تنقل النقاش من مستوى رقم النمو العام إلى سؤال أعمق: من أين يأتي هذا النمو؟ وهل ينعكس فعلا على القدرة الشرائية والمعيش اليومي للأسر؟
حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، عرف الطلب الداخلي تباطؤا في معدل نموه، حيث ارتفع بنسبة 6,1% سنة 2025، مقابل 6,7% سنة 2024. ورغم هذا التباطؤ، ظل الطلب الداخلي المحرك الأساسي للنمو، بمساهمة بلغت 6,6 نقطة، مقابل 7,3 نقطة سنة قبل ذلك. غير أن التفاصيل تكشف أن هذه المساهمة لم تأت أساسا من إنفاق الأسر، بل من دينامية الاستثمار.
فقد سجلت نفقات الاستهلاك النهائي للأسر والمؤسسات غير الهادفة للربح تباطؤا واضحا، منتقلة من نمو بنسبة 2,9% سنة 2024 إلى 1,2% فقط سنة 2025. كما تراجعت مساهمتها في النمو من 1,8 نقطة إلى 0,7 نقطة. وهذا مؤشر اقتصادي واجتماعي بالغ الدلالة، لأنه يعني أن الطلب الاستهلاكي للأسر فقد جزءا كبيرا من زخمه، في سنة يفترض أن يعكس فيها تراجع التضخم العام شيئا من الانفراج على مستوى الإنفاق.
ولا يمكن قراءة هذا التباطؤ بمعزل عن الضغط الذي راكمته الأسر خلال السنوات الأخيرة. فحتى عندما تشير الأرقام إلى ارتفاع محدود في المستوى العام للأسعار، فإن أثر موجات الغلاء السابقة لا يختفي من ميزانيات الأسر. فالأسعار التي ارتفعت لا تعود بالضرورة إلى مستوياتها السابقة، والدخل لا يتحرك دائما بالسرعة نفسها. لذلك قد يكون انخفاض وتيرة الاستهلاك تعبيرا عن حذر أكبر في الإنفاق، أو عن تآكل فعلي في القدرة على الاستهلاك، أو عن إعادة ترتيب قسرية لأولويات الأسر بين الغذاء والسكن والطاقة والنقل والتعليم والصحة.
في المقابل، سجل إجمالي الاستثمار، بما يشمل إجمالي تكوين الرأسمال الثابت والتغير في المخزون وصافي اقتناء النفائس، نموا قويا بنسبة 16,3% سنة 2025، مقابل 13,9% سنة 2024. وساهم الاستثمار وحده في النمو بخمس نقط، مقابل أربع نقط سنة قبل ذلك. كما ارتفع معدل الاستثمار إلى 33,6% من الناتج الداخلي الإجمالي، بعدما كان في حدود 30,6% سنة 2024. وهذه معطيات إيجابية من زاوية الاقتصاد الكلي، لأنها تعكس توسيعا للجهد الاستثماري، وقدرة على تعبئة موارد نحو تكوين الرأسمال.
غير أن قوة الاستثمار لا تكفي وحدها للحكم على جودة النمو. فالسؤال المركزي يتعلق بطبيعة هذا الاستثمار: هل يذهب إلى قطاعات منتجة ذات أثر مباشر على التشغيل والإنتاجية؟ هل يخلق فرص عمل مستقرة؟ هل يدعم الصناعة والتحول التكنولوجي؟ وهل يوسع قاعدة المقاولات، أم يظل متركزا في قطاعات محدودة الأثر الاجتماعي؟ هذه الأسئلة ضرورية لأن الاستثمار، إذا لم يتحول إلى دخل وفرص شغل وتحسن في الإنتاجية، قد يرفع معدل النمو دون أن يغير كثيرا في حياة الأسر.
ويظهر هذا التباين أكثر حين نقارن بين مساهمة الاستثمار ومساهمة الاستهلاك. فالاقتصاد نما في 2025، لكن الأسر لم تكن محركه الأساسي. وهذا يعني أن النمو المسجل لم يكن نابعا من توسع قوي في الطلب الاستهلاكي الداخلي، بل من دفعة استثمارية ومن انتعاش فلاحي. وبقدر ما يمثل ذلك نقطة قوة من حيث تنويع مصادر النمو، فإنه يطرح في المقابل سؤالا حول ضعف انتقال النمو إلى جيوب المواطنين.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية ارتفع بنسبة 6,5% سنة 2025، مقابل 8,7% سنة 2024، مما نتج عنه ارتفاع في المستوى العام للأسعار بنسبة 1,6%. وهذا المعطى يمكن اعتباره إيجابيا، لأنه يعكس تحكما نسبيا في التضخم العام. لكن التحكم في التضخم لا يعني تلقائيا تحسن القدرة الشرائية. فالأسر لا تتعامل مع متوسطات الأسعار، بل مع فواتير شهرية محددة. وما يهمها هو كلفة القفة، والسكن، والنقل، والخدمات الأساسية، مقارنة بالدخل المتاح فعليا.
من جهة أخرى، ارتفعت نفقات الاستهلاك النهائي للإدارات العمومية بنسبة 5,1%، بعد 8% سنة 2024، مع مساهمة إيجابية في النمو بلغت 0,9 نقطة، مقابل 1,5 نقطة السنة الماضية. ويعني ذلك أن الإنفاق العمومي واصل دعم النشاط الاقتصادي، وإن بوتيرة أقل. غير أن الرهان لا يكمن فقط في حجم الإنفاق، بل في قدرته على تخفيف الضغط الاجتماعي وتحسين الخدمات الأساسية ورفع أثر السياسات العمومية على دخل الأسر.
أما على مستوى التمويل، فإن ارتفاع الاستثمار رافقه اتساع في الحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني. فقد بلغ إجمالي الاستثمار 33,6% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل ادخار وطني في حدود 31,1%. ونتيجة لذلك، تفاقمت الحاجة إلى التمويل من 1,2% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2024 إلى 2,4% سنة 2025. وهذا مؤشر يستحق الانتباه، لأنه يعني أن الاقتصاد يحتاج إلى موارد إضافية لتمويل توسع الاستثمار. وكلما اتسعت هذه الحاجة، أصبح النقاش حول جودة الاستثمار ومردوديته أكثر إلحاحا.
الصورة العامة، إذن، تجمع بين مؤشرات إيجابية وأخرى مقلقة. من جهة، سجل الاقتصاد نموا أعلى، وارتفع الاستثمار بقوة، وتراجع التضخم العام، واستمر الطلب الداخلي في دعم النشاط الاقتصادي. ومن جهة أخرى، تباطأ استهلاك الأسر إلى مستوى ضعيف، وتراجعت مساهمته في النمو، واتسعت الحاجة إلى التمويل، وظلت الأسئلة قائمة حول أثر النمو على المعيش اليومي.
لذلك، لا يكفي النظر إلى نسبة 4,9% باعتبارها عنوانا مطمئنا. فالاقتصاد الذي ينمو عبر الاستثمار دون أن يرافق ذلك تحسن قوي في استهلاك الأسر، يظل أمام اختبار اجتماعي حقيقي. النمو يصبح أكثر صلابة عندما يتحول الاستثمار إلى تشغيل، والتشغيل إلى دخل، والدخل إلى قدرة شرائية، والقدرة الشرائية إلى طلب داخلي مستدام. أما حين تتباطأ نفقات الأسر إلى 1,2%، فإن الرسالة الاقتصادية واضحة: هناك نمو في المؤشرات، لكن أثره على جيوب المواطنين مازال محدودا.
إن معطيات 2025 تفرض قراءة متوازنة. لا ينبغي التقليل من أهمية ارتفاع الاستثمار، ولا من تحسن النمو العام. لكن المهنية تقتضي أيضا عدم إخفاء أن الأسر لم تستعد بعد قوة إنفاقها. وبين الاستثمار الذي يصعد والاستهلاك الذي يتباطأ، يظهر التحدي الحقيقي أمام السياسات العمومية: كيف يمكن تحويل النمو من رقم في الحسابات الوطنية إلى تحسن ملموس في الدخل والمعيش والثقة الاقتصادية لدى المواطنين؟










تعليقات
0