ندوة بخنيفرة تسائل تحولات الأسرة المغربية بين تحديات الواقع الراهن والمتغيرات الاجتماعية والقانونية

ندوة بخنيفرة تسائل تحولات الأسرة المغربية بين تحديات الواقع الراهن والمتغيرات الاجتماعية والقانونية
ندوة بخنيفرة تسائل تحولات الأسرة المغربية بين تحديات الواقع الراهن والمتغيرات الاجتماعية والقانونية
أحمد بيضي الأحد 7 يونيو 2026 - 19:24 l عدد الزيارات : 25504

°° أحمد بيضي

عادت أسئلة الأسرة المغربية وتحولاتها إلى واجهة النقاش العمومي، من خلال ندوة علمية نظمتها “جمعية أنير للتنمية النسوية والتكافل الاجتماعي”، بخنيفرة، مساء السبت 6 يونيو 2026 بالمركز الثقافي أبو القاسم الزياني، تحت عنوان “تحولات الأسرة المغربية: قراءة في الواقع واستشراف للمستقبل”، اللقاء، الذي يندرج ضمن الأنشطة التوعوية للجمعية، جاء في سياق ما تعرفه الأسرة المغربية من تحولات متسارعة بفعل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وما تطرحه من أسئلة جديدة حول بنيتها ووظائفها وأنماط العلاقات داخلها.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

وعرفت الندوة مشاركة الباحث في السوسيولوجيا، حوسى أزارو، والباحث في قضايا الأسرة، خالد حجيرت، بحضور مهتمات ومهتمين بقضايا المرأة والأسرة، فيما تولت تسيير أشغالها الفاعلة الجمعوية، الاخصائية النفسية نهيلة دودو، التي أكدت في تقديمها للقاء أهمية فتح نقاش علمي وعمومي حول مستقبل المؤسسة الأسرية بالمغرب، في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع، قبل أن تفسح المجال أمام المتدخلين لتقديم قراءتيهما حول تحولات الرابط الأسري بالمغرب، والنقاش المرتبط بتعديل مدونة الأسرة بين المطالب المطروحة والثغرات المثارة.

تحولات الأسرة المغربية بعين سوسيولوجية

في مقاربته السوسيولوجية لتحولات الأسرة المغربية، انطلق الباحث حوسى أزارو من اعتبار الدولة والأسرة ركيزتين أساسيتين في مواجهة الإشكالات الكبرى التي يعرفها المجتمع، قبل أن يطرح جملة من الأسئلة المرتبطة بطبيعة الرابط الأسري اليوم، ومدى استمرار ارتباطه بالمجال والقرابة والنسب والدم، أو انتقاله نحو الاختيار والإرادة والرغبة الفردية وما يرتبط به من نزعات التعاقد والفردانية، وتوقف المتدخل عند التحولات التي مست مؤسسة الزواج بانتقالها من الخضوع لسلطة الأسرة والأب إلى فضاء أوسع تحكمه اختيارات الأفراد.

وبعد إشارته لما وصفه بتراجع بعض الأشكال التقليدية للضبط الأسري، مقابل بروز أنماط جديدة من التفاعل داخل الأسرة، أثار المتدخل أسئلة تتعلق بطبيعة المرجعيات المؤطرة للعلاقات الأسرية، وما إذا كانت ما تزال تستند بالأساس إلى المنظومات القرابية والدينية، أم أنها أصبحت أكثر تأثرا بقيم الحداثة وما يرتبط بها من تحولات ثقافية واجتماعية، من بينها الفردانية وتوسع منطق الاختيار الشخصي، وما وصفه بامتدادات النقاش حول التوجهات الحداثية والعلمانية في إعادة صياغة العلاقات داخل الأسرة المغربية.

وأكد الباحث حوسى أزارو، في ذات مداخلته، أن فهم هذه التحولات يقتضي اعتماد مقاربة علمية صرفة تقوم على “العلم من أجل الفهم” لما يجري داخل قلب الأسرة المغربية، بعيدا عن التمثلات الجاهزة، مع الوقوف عند درجة التماسك الأسري بين الماضي والحاضر، من خلال استحضار حالات ومعطيات اجتماعية واقتصادية وأخلاقية تعكس تباين أوضاع الأسر المغربية، وفي سياق تحليله لتحولات جيل اليوم، تساءل المتدخل عما إذا كان المجتمع أمام تحول عميق أم أزمة بنيوية؟.

وعن طبيعة التغير الحاصل: تساءل أزارو: هل هو ارتقاء في القيم والسلوك الاجتماعي أم مجرد إعادة تشكيل للعلاقات في سياق ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، كما طرح تساؤلات حول قدرة الأسرة على الاستمرار في أداء وظائفها التربوية والتنشئية، كما استحضر، من زاوية التحولات الاقتصادية، تأثير “اقتصاد السوق” على تمثلات الزواج، معتبرا أن هذا الأخير بات يخضع، في بعض أبعاده، لمنطق أقرب إلى “التسويق الاجتماعي”، في ظل تغير دوافع الارتباط وتنامي الاعتبارات المادية والاجتماعية في اختيار الشريك.

كما أثار المتدخل مسألة إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، متسائلا عن موقع الرجل في ظل معطيات تشير إلى ارتفاع مساهمة النساء في إعالة الأسر، بنسب اعتبرها متنامية بشكل لافت، وهو ما يعيد، بحسبه، طرح سؤال السلطة داخل البنية الأسرية، وزاد فاستند في تحليله إلى معطيات صادرة عن دراسة وطنية للمندوبية السامية للتخطيط، استعرض من خلالها عددا من المؤشرات المرتبطة بتحولات الأسرة المغربية، مبرزا أن هذه المعطيات تكشف عن دينامية اجتماعية عميقة تعكس إعادة تشكل وظائف الأسرة وتغير توازناتها الداخلية.

من بين ما استعرضه: بنية العائلة، والعلاقات غير الرسمية، وظاهرة “العش الفارغ”، والأمهات العازبات، والتضامن بين الأجيال، والتساكن الأسري، والبطالة داخل الأسرة، ودوافع الزواج وإكراهاته، إلى جانب التحولات المرتبطة بالنزاعات الأسرية والطلاق وتغير البنى الديمغرافية، كما تطرق إلى منظومة القيم داخل الأسرة المغربية، مسجلا تباينا في مستويات حضور المسؤولية واحترام الاختلاف والأدوار العائلية، في مقابل استمرار تأثير التقاليد والأعراف والقبول بالأمر الواقع، وما يترتب عن ذلك من قيود على تطور العلاقات الأسرية.

وبينما تحدث عن بروز مظاهر الفردانية مقابل تراجع بعض أشكال التضامن التقليدي، توقف حوسى أزارو عند التوتر القائم بين التقليد والحداثة داخل النظام الأسري المغربي، مبرزا أن التحول مس البنية بشكل أوضح من مستوى العقليات، وهو ما يفسر استمرار عدد من التناقضات المرتبطة بطبيعة العلاقة الزوجية ومكانة المرأة داخل الأسرة، وحدود الانتقال من تصور يقوم على امتلاك جسد المرأة بمنطق “الملكية والهيمنة” إلى تصور قائم على الشراكة والتعاقد وتوزيع المسؤوليات.

من الأحوال الشخصية إلى مدونة الأسرة

أما الباحث في قضايا الأسرة، خالد حجيرت، فقد استهل مداخلته باستحضار مكانة المرأة في المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية، قبل أن يعود إلى المسار التاريخي للحركة النسائية وما راكمته من نضالات ومطالب من أجل توسيع حقوق النساء، وتتبع المتدخل مختلف المحطات التي طبعت تطور قانون الأحوال الشخصية بالمغرب، وصولا إلى مدونة الأسرة وما تعرفه اليوم من نقاش عمومي واسع، مستعرضا في هذا السياق المذكرات والمقترحات التي تقدمت بها هيئات متعددة، من بينها الحركات النسائية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان.

وتوقف حجيرت عند تدخل الملك الراحل الحسن الثاني في سياق النقاشات التي أثيرت حول بعض التعديلات المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية، كما استحضر “مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية” الذي أطلق سنة 1999، في سياق التأثر بمخرجات مؤتمر بيجين المنعقد سنة 1995، وما أثاره المشروع من انقسام بين التيار الحداثي الداعم له والتيار الإسلامي المعارض له، كما أعاد التذكير بالمسيرات التي شهدها المغرب سنة 2000، والتي دفعت إلى تدخل المؤسسة الملكية وتشكيل لجنة عهد إليها بإيجاد صيغ توافقية.

ومن زاوية قانونية وتشريعية، تناول المتدخل أدوار الحركة النسائية في الدفع نحو مراجعة مدونة الأسرة، وما رافق ذلك من حملات ترافعية ومطالب متباينة وجدالات مجتمعية، قبل أن يتوقف عند عدد من المقترحات التي وجدت طريقها إلى النقاش العمومي حول المدونة، من قبيل المساواة في بعض الجوانب المرتبطة بالحياة الأسرية والتدبير المالي داخل الأسرة، كما تطرق إلى التحديات الديمغرافية التي يواجهها المغرب، وما تثيره من أسئلة مرتبطة بالتكاثر وتحديد النسل وتراجع معدلات الخصوبة.

وانتقل حجيرت إلى مناقشة موضوع التعدد باعتباره من أكثر القضايا إثارة للجدل في النقاش العمومي، مستعرضا مختلف المواقف المتباينة بشأنه بين المرجعية الدينية والمطالب الحقوقية، معتبرا أن الإسلام لم يكرس التعدد بصورته المطلقة المتداولة في بعض التصورات، وإنما قيده بشروط وضوابط صارمة مقارنة بما كان سائدا في المجتمع الجاهلي، كما عقد مقارنة بين النقاش الدائر حول التعدد وبين ظاهرة العزوف المتزايد عن الزواج، فضلا عن ارتفاع نسبة النساء اللواتي يفضلن الارتباط بالعزاب دون غيرهم.

وإلى جانب القضايا المرتبطة بالقوامة والعمل المنزلي للنساء في ضوء المرجعية الفقهية المالكية والتحولات الاجتماعية ومطالب الحركة النسائية المعاصرة، توقف حجيرت عند الأرقام المرتفعة لحالات الطلاق بالمغرب، مستعرضا عددا من الأسباب والخلافات اليومية والأسرية التي تنتهي بتفكك العلاقة الزوجية، قبل أن يؤكد في ختام مداخلته أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تستمر باعتبارها فضاء للصراع الدائم وتبادل الاتهامات، بل ينبغي أن تقوم على الحوار والمودة والبحث عن الحلول الكفيلة بضمان الاستقرار الأسري.

أية أسرة نريد؟ وعن أية أسرة نتحدث؟

واختتمت الندوة بنقاش تفاعلي، حيث انطلقت المداخلات من التساؤل حول طبيعة الأسرة التي يجري الحديث عنها في النقاشات العمومية والأكاديمية: هل هي الأسرة كما تتجلى في الواقع اليومي بمختلف تجلياته، أم الأسرة كما تقدمها التقارير والدراسات والندوات العلمية؟ كما توقف متدخلون عند ما اعتبروه فهما غير دقيق لبعض مقتضيات مدونة الأسرة، وما رافق النقاش حول مراجعتها من إشاعات وتأويلات، وتوسعت النقاشات لتشمل الفوارق القائمة بين الأسرة الحضرية ونظيرتها القروية والجبلية في ظل استمرار تأثير الأعراف والتقاليد.

وبينما أثيرت تساؤلات بشأن مدى قدرة المؤسسة الأسرية على التكيف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي، لم تغب عن النقاش المخاوف المرتبطة بارتفاع معدلات العزوف عن الزواج في أوساط الشباب، وما قد يترتب عن ذلك من انعكاسات ديمغرافية واجتماعية مستقبلا، في ظل ما وصفه بعض المتدخلين بتنامي البحث عن الإشباع الآني والمتعة اللحظية على حساب بناء مشاريع أسرية مستقرة، كما أكدت بعض التدخلات أن الصراع ليس بين الرجل والمرأة بقدر ما يرتبط بعلاقة المرأة بالقوانين والتشريعات.

وفي السياق ذاته، طرح سؤال مدى قابلية استنبات بعض التصورات والنظريات الاجتماعية والقانونية الغربية داخل المجتمعات الإسلامية، ومدى قدرتها على الاستجابة لخصوصياتها الثقافية والدينية والقيمية، وهو ما أضفى على النقاش أبعادا فكرية ومجتمعية تجاوزت الجوانب القانونية المرتبطة بمدونة الأسرة نحو مساءلة أعمق لمستقبل الأسرة المغربية، وحدود التوفيق بين مقتضيات الحداثة ومتطلبات المرجعية الدينية والثقافية للمجتمع، بما يضمن الحفاظ على تماسك الأسرة واستقرارها في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

شهيد.. حملات التشويش لن تثنينا عن دورنا الرقابي.. ونطالب بلجنة لتقصي الحقائق حول الدعم…
الإثنين 8 يونيو 2026 - 18:55

شهيد.. حملات التشويش لن تثنينا عن دورنا الرقابي.. ونطالب بلجنة لتقصي الحقائق حول الدعم…

بين كلفة الإنتاج وانهيار الأسعار.. قطاع دجاج اللحم يواجه أزمة غير مسبوقة
الإثنين 8 يونيو 2026 - 15:48

بين كلفة الإنتاج وانهيار الأسعار.. قطاع دجاج اللحم يواجه أزمة غير مسبوقة

أمن وجدة يتفاعل مع فيديو التهديد بالسلاح…
الإثنين 8 يونيو 2026 - 14:50

أمن وجدة يتفاعل مع فيديو التهديد بالسلاح…

إطلاق الرصاص بأزرو لتوقيف مشتبه فيه هدد عناصر الشرطة بسلاح أبيض وكلب شرس
الإثنين 8 يونيو 2026 - 14:40

إطلاق الرصاص بأزرو لتوقيف مشتبه فيه هدد عناصر الشرطة بسلاح أبيض وكلب شرس

corner image
error: