نمو الاقتصاد المغربي إلى 4,9% في 2025.. انتعاش تقوده الفلاحة وأسئلة حول صلابة القطاعات غير الفلاحية

نمو الاقتصاد المغربي إلى 4,9% في 2025.. انتعاش تقوده الفلاحة وأسئلة حول صلابة القطاعات غير الفلاحية
نمو الاقتصاد المغربي إلى 4,9% في 2025.. انتعاش تقوده الفلاحة وأسئلة حول صلابة القطاعات غير الفلاحية
محمد المنتصر الإثنين 8 يونيو 2026 - 08:48 l عدد الزيارات : 9196

أظهرت الحسابات الوطنية المؤقتة لسنة 2025 أن الاقتصاد المغربي سجل نموا بنسبة 4,9%، مقابل 4,4% سنة 2024. رقم يبدو، في ظاهره، إيجابيا، لأنه يعكس تحسنا في وتيرة النشاط الاقتصادي. غير أن قراءة تفاصيل هذا النمو تكشف صورة أكثر تركيبا. فالأداء المسجل لم يكن نتيجة دينامية متجانسة بين مختلف القطاعات، بل جاء مدفوعا، أساسا، بانتعاش القطاع الفلاحي، في وقت أظهرت فيه الأنشطة غير الفلاحية علامات تباطؤ واضحة.

وحسب المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، ارتفعت القيمة المضافة للقطاع الأولي بالحجم بنسبة 7,1% سنة 2025، بعد انخفاض قدره 5,1% خلال السنة السابقة. ويعزى هذا التحسن، بالدرجة الأولى، إلى انتعاش النشاط الفلاحي الذي سجل نموا بنسبة 8,2%، بعدما كان قد تراجع بـ5,7% سنة 2024. وهذا المعطى يؤكد، مرة أخرى، الوزن الحاسم للفلاحة في تحديد إيقاع النمو الوطني، رغم كل الخطابات التي تتحدث منذ سنوات عن تنويع قاعدة الاقتصاد وتقليص ارتباطه بالتقلبات المناخية.

وزارة التربية تعرض أرقام التكوين وتتجنب سؤال الجودة: أين وصلت خارطة الطريق 2022-2026؟
اقرأ المزيد

غير أن الجانب السلبي داخل القطاع الأولي يبرز في التراجع الحاد لأنشطة الصيد البحري، التي انتقلت من نمو بنسبة 8,8% سنة 2024 إلى انخفاض بـ13% سنة 2025. وهو تراجع لا يمكن التعامل معه كرقم معزول، لأنه يهم قطاعا يرتبط بالتصدير، والتشغيل، والأمن الغذائي، وسلاسل صناعية وخدماتية متعددة. كما أنه يطرح أسئلة حول تدبير الموارد البحرية، واستدامة المصايد، وقدرة القطاع على الحفاظ على توازنه الإنتاجي.

أما القطاع الثانوي، فقد سجل تباطؤا في معدل نموه، منتقلا من 3,8% سنة 2024 إلى 3,3% سنة 2025. ورغم أن البناء والأشغال العمومية حققا نموا مهما بلغ 6,7% مقابل 6% سنة 2024، فإن باقي مكونات القطاع عرفت أداء أقل قوة. فقد تباطأ نمو الصناعات الاستخراجية من 11,5% إلى 7,5%، كما تراجعت وتيرة نمو الصناعات التحويلية من 2,1% إلى 1,9%. أما قطاعات الكهرباء والغاز والماء وشبكات التطهير ومعالجة النفايات، فقد سجلت تباطؤا لافتا، إذ انتقل نموها من 5,4% إلى 0,6% فقط.

هذه الأرقام تكشف أن النمو الصناعي مازال محدود العمق. فالاقتصاد يحتاج إلى قطاع ثانوي قادر على خلق قيمة مضافة مستقرة، ورفع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة التشغيل المؤهل. لكن التباطؤ المسجل في الصناعات التحويلية، وضعف دينامية بعض الأنشطة الأساسية، يطرحان سؤالا جوهريا حول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على الانتقال من نمو ظرفي مدفوع بالفلاحة والبناء إلى نمو صناعي منتج ومندمج.

وتبدو الصورة أكثر وضوحا عند النظر إلى القطاع الثالثي، الذي سجل بدوره تباطؤا في وتيرة نموه، منتقلا من 5,6% سنة 2024 إلى 4,3% سنة 2025. فقد تراجع نمو النقل والتخزين إلى 4,2% بعد أن بلغ 8,5% سنة 2024. كما تباطأ نمو أنشطة الفنادق والمطاعم إلى 7% مقابل 8,4%. وتراجعت وتيرة نمو الخدمات المالية والتأمينية من 9,1% إلى 5,5%. وسجل قطاع الإعلام والاتصال انخفاضا بنسبة 0,5%، بعد نمو بـ2,9% سنة قبل ذلك.

هذا التباطؤ في الخدمات لا يقل أهمية عن مؤشرات الفلاحة والصناعة. فالقطاع الثالثي يمثل جزءا واسعا من النشاط الاقتصادي، ويعكس مستوى الطلب، وحيوية المقاولات، ودينامية الاستهلاك والسياحة والنقل والتمويل. لذلك فإن تراجع وتيرته، رغم استمرار النمو العام، يفرض الانتباه إلى هشاشة بعض محركات الاقتصاد غير الفلاحي.

وعلى مستوى الطلب، تؤكد المندوبية أن النمو ظل مدفوعا بالطلب الداخلي، رغم تباطئه من 6,7% سنة 2024 إلى 6,1% سنة 2025. وقد ساهم هذا الطلب في النمو بـ6,6 نقطة، مقابل 7,3 نقطة سنة قبل ذلك. غير أن المعطى الأكثر دلالة يتمثل في تباطؤ نفقات الاستهلاك النهائي للأسر والمؤسسات غير الهادفة للربح، التي انتقلت من نمو بنسبة 2,9% إلى 1,2% فقط. وهذا مؤشر مهم، لأنه يعكس ضغطا واضحا على القدرة الشرائية، أو على الأقل حذرا متزايدا لدى الأسر في الإنفاق.

في المقابل، سجل إجمالي الاستثمار نموا قويا بنسبة 16,3%، مقابل 13,9% سنة 2024، وساهم في النمو بخمس نقاط. كما بلغ معدل الاستثمار 33,6% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 30,6% خلال السنة السابقة. وهذا تطور إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يعكس توسع الجهد الاستثماري. لكن السؤال المطروح يبقى مرتبطا بطبيعة هذا الاستثمار، وجودته، وقدرته على إنتاج مناصب شغل مستدامة، ودفع التحول الصناعي، وتحسين الإنتاجية.

أما المبادلات الخارجية، فقد واصلت التأثير سلبا على النمو، وإن بوتيرة أخف. فقد ارتفعت الواردات من السلع والخدمات بنسبة 9%، مقابل 12,2% سنة 2024، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة 6,6% مقابل 7,7%. وبذلك سجلت المبادلات الخارجية مساهمة سلبية في النمو بلغت 1,7 نقطة، عوض مساهمة سلبية بـ2,9 نقطة سنة 2024. وهذا يعني أن الضغط الخارجي تراجع نسبيا، لكنه لم يتحول بعد إلى رافعة إيجابية للنمو.

وعلى مستوى الأسعار، عرف الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية ارتفاعا بنسبة 6,5% سنة 2025، مقابل 8,7% سنة 2024، مما نتج عنه ارتفاع في المستوى العام للأسعار بنسبة 1,6%. وهذا المعطى يوحي بتحكم نسبي في التضخم مقارنة بالسنوات السابقة. غير أن أثر الأسعار على معيش الأسر لا يقاس فقط بالمعدل العام، بل يقاس أيضا بتطور الدخول، ونفقات الاستهلاك، وكلفة المواد الأساسية والخدمات، وهي عناصر تجعل القراءة الاجتماعية للأرقام ضرورية إلى جانب القراءة المحاسباتية.

وتزداد أهمية هذه القراءة حين نصل إلى مؤشر الحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني. فرغم ارتفاع الادخار الوطني إلى 31,1% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 29,4% سنة 2024، فإن إجمالي الاستثمار بلغ 33,6% من الناتج الداخلي، ما أدى إلى تفاقم الحاجة إلى التمويل من 1,2% إلى 2,4% من الناتج الداخلي الإجمالي. وهذا يعني أن الاقتصاد، وهو يرفع وتيرة الاستثمار، يحتاج في الوقت نفسه إلى تعبئة موارد تمويلية أكبر.

الخلاصة أن نمو 2025 يحمل مؤشرات إيجابية لا يمكن إنكارها. فقد تحسن الناتج الداخلي الإجمالي، وانتعشت الفلاحة، وارتفع الاستثمار، وتراجع أثر المبادلات الخارجية السلبية نسبيا، كما ظل التضخم العام تحت السيطرة. لكن هذه الصورة لا تخفي مؤشرات مقلقة. فالأنشطة غير الفلاحية تباطأت، والصيد البحري تراجع بقوة، والصناعة التحويلية بقيت ضعيفة النمو، والخدمات فقدت جزءا من زخمها، واستهلاك الأسر سجل تباطؤا لافتا.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بنسبة النمو المسجلة، بل بجودة هذا النمو ومصدره. فاقتصاد يرتفع أداؤه بفضل موسم فلاحي أفضل، لكنه يرى قطاعات غير فلاحية تتباطأ، يظل اقتصادا معرضا للتقلب. والمطلوب، بعد هذه الأرقام، ليس الاحتفاء بالمعدل العام وحده، بل فتح نقاش جدي حول صلابة النمو، وعدالة توزيعه، وقدرة السياسات العمومية على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والتوسع الاقتصادي إلى فرص شغل، والأرقام الإيجابية إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

السياحة.. المغرب ارتقى إلى المرتبة الـ22 عالميا خلال سنة 2025
الإثنين 8 يونيو 2026 - 19:19

السياحة.. المغرب ارتقى إلى المرتبة الـ22 عالميا خلال سنة 2025

شهيد.. حملات التشويش لن تثنينا عن دورنا الرقابي.. ونطالب بلجنة لتقصي الحقائق حول الدعم…
الإثنين 8 يونيو 2026 - 18:55

شهيد.. حملات التشويش لن تثنينا عن دورنا الرقابي.. ونطالب بلجنة لتقصي الحقائق حول الدعم…

أكبر المفاجآت في تاريخ كأس العالم
الإثنين 8 يونيو 2026 - 18:51

أكبر المفاجآت في تاريخ كأس العالم

الترحال السياسي في المغرب يحول الأحزاب إلى محطات عبور، تضيع معها إرادة الناخب.
الإثنين 8 يونيو 2026 - 17:15

الترحال السياسي في المغرب يحول الأحزاب إلى محطات عبور، تضيع معها إرادة الناخب.

corner image
error: