أحمد بيضي
في خطوة تروم تعزيز حضور البحث العلمي في صناعة القرار العمومي المحلي، أطلقت حركة بدائل مواطنة، بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس ومختبر الدراسات الرقمية والاستراتيجية والعلوم الإدارية والمالية، وبدعم من National Endowment for Democracy (NED)، مشروع “SYASSAT Trans Policy شفافية السياسات”، الهادف إلى دعم الشفافية والمساءلة والحكامة الجيدة على المستوى الترابي.
وفي هذا الإطار، تم تنظيم سلسلة من الدورات التكوينية لفائدة الطلبة الباحثين والباحثات، بهدف تطوير قدراتهم في مجال تحليل السياسات العمومية وإعداد أوراق السياسات المبنية على الأدلة، وتمكينهم من أدوات علمية ومنهجية تساعد على تحويل المعرفة الأكاديمية إلى مقترحات عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ.
وشكلت هذه الدورات محطة أساسية ضمن مسار المشروع، الذي يراهن على تعزيز الربط بين الجامعة وصناعة القرار العمومي، وتوسيع مساهمة الشباب الباحث في إنتاج المعرفة التطبيقية الداعمة للسياسات العمومية المحلية، كما سعت إلى ترسيخ ثقافة التحليل المبني على المعطيات والأدلة، وتعزيز إدماج مقاربة حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في السياسات الترابية، بما يسهم في تطوير آليات التدبير المحلي وتحسين جودة السياسات العمومية واستجابتها لحاجيات المواطنين والمواطنات.
ذلك انطلاقا من رهان برنامج Promoting Government Transparency and Accountability على إرساء نموذج جديد في تدبير الشأن العام الترابي يقوم على تعزيز الصلة بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار العمومي، من خلال توظيف البحث العلمي وأدوات التحليل المرتكزة على الأدلة في دعم الشفافية والمساءلة والحكامة الجيدة على المستوى المحلي، ومن اتخاذ هذا البرنامج كمسار متكامل يجمع بين التكوين والإنتاج والتثمين، حيث تم، في هذا الصدد، انتقاء ثلاثين مشاركة ومشاركا من الطلبة الباحثين وفق معايير علمية وتحفيزية.
وتم إخضاع المشاركات والمشاركين لدورتين تكوينيتين معمقتين تشملان تقنيات إعداد أوراق السياسات، ومنهجيات تحليل السياسات العمومية، وآليات إدماج حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في السياسات الترابية، إضافة إلى أدوات الترافع والتواصل مع صناع القرار، كما ستنظم ورشات تطبيقية لإعداد أوراق سياسات مرتبطة بقضايا تدخل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية، على أن تعرض مخرجاتها خلال لقاء علمي بكلية الحقوق بفاس بحضور لجنة علمية وخبراء وممارسين، قبل إخضاعها للتقييم وتكريم أفضل الأوراق والعمل على نشرها وتقاسمها مع الفاعلين المعنيين.
ووفق الورقة التقديمية للمشروع، ينطلق البرنامج من تشخيص يعتبر أن الجماعات الترابية أصبحت المجال الأكثر تعبيرا عن نجاح أو تعثر السياسات العمومية، في ظل التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من ترسيخ لمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتوسيع الحق في الحصول على المعلومات وتعزيز آليات الديمقراطية التشاركية، غير أن هذه المكتسبات، ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بضعف استثمار البحث العلمي في صناعة القرار، واستمرار الفجوة بين المقتضيات القانونية والممارسات التدبيرية داخل الجماعات الترابية.
ويهدف البرنامج إلى المساهمة في بناء دينامية جديدة لتدبير الشأن العام المحلي، ترتكز على توظيف المعرفة العلمية في التأثير في القرار العمومي، وتأهيل الشباب الباحثين لإعداد أوراق السياسات وتحويل المخرجات الأكاديمية إلى أدوات عملية موجهة لصناع القرار، فضلاً عن تعزيز الروابط المؤسساتية بين الجامعة والجماعات الترابية، وإدماج البحث العلمي في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتقييم السياسات العمومية.
ويعتمد البرنامج منهجية تجمع بين البعدين الأكاديمي والتطبيقي، مستندة إلى منطق التعلم بالممارسة (learning by doing)، بما يجعل المشاركين منخرطين في إنتاج المعرفة وتوظيفها لمعالجة قضايا ترابية واقعية، كما تقوم هذه المنهجية على مقاربة تشاركية تضم الطلبة الباحثين والأساتذة والخبراء والفاعلين العموميين، مع اعتماد تكوين تطبيقي قائم على دراسة إشكالات حقيقية وتحليل السياسات العمومية وفق أبعاد قانونية ومؤسساتية واجتماعية ومالية، بالاستناد إلى أدوات تحليل مرتكزة على الأدلة والمعطيات العلمية، مع إدماج مقاربة حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في مختلف مراحل التحليل والصياغة.
ويستند البرنامج إلى مجموعة من المرتكزات المعيارية والمنهجية التي تحدد توجهاته العامة، وفي مقدمتها اعتماد حقوق الإنسان كمرجعية أساسية لتحليل السياسات العمومية الترابية في ضوء مبادئ المساواة وعدم التمييز والكرامة والولوج المنصف إلى الخدمات. كما يجعل من الشفافية منهجاً لإنتاج وتداول المعرفة العمومية، يتجاوز البعد القانوني المرتبط بالحق في الحصول على المعلومات نحو ضمان وضوح المعطيات وقابليتها للفهم والتقييم.
وتحضر المساءلة بدورها كأحد الأعمدة المركزية للمشروع، من خلال تطوير أدوات تحليل وتقييم تسمح بالحكم على السياسات العمومية انطلاقاً من نتائجها وآثارها الفعلية، فيما تشكل مقاربة النوع الاجتماعي مدخلاً أساسياً لرصد الفوارق البنيوية داخل السياسات الترابية والعمل على ضمان توزيع أكثر عدالة للموارد والخدمات بين النساء والرجال. كما يراهن البرنامج على توسيع المشاركة المواطنة عبر تمكين الشباب من الإسهام في إنتاج المعرفة والتأثير في القرار العمومي، إلى جانب تعزيز دور المجتمع المدني في التتبع والتقييم. ويُضاف إلى ذلك اعتماد منهجية قائمة على الأدلة (Evidence-based) باعتبارها آلية لضمان جودة التحليل ونجاعة التوصيات وربط القرار العمومي بالمعرفة العلمية والمعطيات الموثوقة.
ويضع البرنامج “أوراق السياسات” في صلب رؤيته الإصلاحية، باعتبارها إحدى الأدوات القادرة على تجسير الهوة بين الجامعة والفاعل العمومي. وتعرف هذه الأوراق باعتبارها وثائق تحليلية موجزة وموجهة تسعى إلى تفكيك إشكالات عمومية محددة واقتراح بدائل عملية لصناع القرار بالاستناد إلى الأدلة والمعطيات العلمية، وتختلف عن البحوث الأكاديمية التقليدية في كونها لا تكتفي بالتفسير والوصف، بل تتجه نحو التأثير المباشر في القرار العمومي من خلال تقديم توصيات واضحة وقابلة للتنفيذ.
وترتكز أوراق السياسات على تحليل السياقات القانونية والمؤسساتية، واستثمار المعطيات الكمية والنوعية، وتقييم الخيارات المتاحة واقتراح بدائل وسيناريوهات عملية، مع اعتماد لغة مبسطة وموجهة للمنتخبين والإدارات والفاعلين الترابيين، بما يجعلها أداة وسيطة بين المعرفة الأكاديمية ومتطلبات التدبير العمومي.
وفي السياق الترابي، تكتسب هذه الأوراق أهمية خاصة لكونها تتيح إدماج مقاربة حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي في تحليل السياسات العمومية، وتعزيز الشفافية عبر توفير معطيات قابلة للتداول والفهم، فضلا عن دعم المساءلة من خلال اقتراح مؤشرات للتتبع والتقييم، كما يرى البرنامج في هذه الأداة مدخلا لإعادة تعريف وظيفة المعرفة ذاتها، عبر الانتقال من المعرفة التفسيرية أو النقدية إلى معرفة اقتراحية وتأثيرية قادرة على تحويل الإشكالات العمومية إلى خيارات عملية وبدائل سياسية قائمة على الأدلة ومرتكزة على مرجعيات حقوقية واضحة.
ومن هذا المنطلق، يراهن القائمون على البرنامج على جعل أوراق السياسات أداة لتقييم الاختيارات العمومية في ضوء مبادئ المساواة وعدم التمييز والكرامة والولوج المنصف إلى الخدمات، وإبراز الأثر التفاضلي للسياسات على مختلف الفئات الاجتماعية، بما يوجه القرار العمومي نحو تحقيق الإنصاف الفعلي، كما تتعزز أهمية هذه الأوراق حين يتم إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في إعدادها، بما يسمح بالكشف عن أشكال التمييز غير المرئية داخل السياسات الترابية واقتراح تدابير عملية لإعادة التوازن على مستوى التخطيط والبرمجة والميزنة.










تعليقات
0